المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : الفارس الذي فقد ظله قصة من التراث الشركسي


أبو نارت
08-01-2002, 16:30
الفارس الذي فقد ظله
قصة بقلم: كمال جلوقة
لا أعرف كم من الوقت استفرقني التفكير وأنا منكمش على نفسي تحت شجرة الصفصاف في ذلك الممر المعتم من ممرات الجامعة عندما رفعت رأسي ورأيتها تقف أمامي منتصبة:
- بماذا تفكر، إن شكلك مثل جبل ألبروز قد غطاه الثلج.
لم أستوعب دعابتها في البداية ونظرت حولي لأرى إن كانت تخاطب إنسانا آخر.. كيف تشبهين الإنسان بالجبل.. يبدو أن خيالك واسع.
- لا أدري ولكني تذكرت هذا الجبل عندما رأيتك من بعيد وقد غطتك الهموم.
- أنا ليست لهموم، ولكنني أفكر في كيفية مغادرة هذا البلد وترك تعاستي خلفي والى الأبد.
- تغادر هذا البلد، إلي أين؟
- لا أدري ربما إلى كندا.. أو.. أي مكان.. المهم أن أخلص من هنا.
وتطلعت إلى بعينين ملؤهما التساؤل والإستغراب.. لماذا .. يبدو أن المشكلة أعمق مما تصورت.. فأنتم معشر الشباب ترغبون في الإطلاق إلي بلاد الدنيا وتحملون بالمغامرات، وهذه مرحلة، ولكن .. أنت تعانى من الإحباط فما الذي يجري يا أبا شركس.
نظرت إليها بنوع من الاحتجاج ليس على قولها انني محبط، فقد تكون محقة في ذلك، بل على الاسم الذي أطلقته علي توا.
ومن قال لك انني أبو شركس.. مالذي تريدين قوله بالضبط.. أنا..، فردت علي بشيء من الحزم: ألا تشعر بالاعتزاز لأنني أطلقت عليك هذا الاسم.
أجبتها وأنا أحاول أن أصطنع الجدية: لا طبعا بل أشعر بالقهر، ويمكن أن أقول لك انني أشعر بالانسحاق، أعتز بماذا ! اتركيني بالله عليك.
ويبدو أنها لم تكن مستعدة لجوابي هذا ونظرت إلى ذاهلة.. وبدون أن تعلق تركتني واختفت بين مئات الطلبة الذين تصادف اندفاعهم خارج إحدى الكليات. أردت للحظة أن ألحق بها وأعتذر، ولكن شيئا ما شدني بثقل ولم استطع تحرير قدماي منه لألحق بها و.. على الأقل أغير الموضوع.. أقول شيئا مبهجا.
لا أدري لماذا تذكرت هذا الحديث في هذا اليوم بالذات فقد مرت عليه سنوات، أما((لانا)) وهي الفتاة التي دار بيني وبينها الحوار فلم أرها كثيرا منذ ذلك الحين فقد تعمدت أن تتحاشاني، ولاحظت عدة مرات أنها تغير طريقها بدون أن تلفت انتباهي حتى لا تضطر الى لقائي.. أنا نفسي لم أهتم للأمر كثيرا.
استفقت على رنين الهاتف فرفعت السماعة بتثاقل.. آلو.. آه.. نعم، وجاء صوت زوجتي: ألا تزال في المكتب أنسيت الولد وأن عليك إحضاره من المدرسة.. إبننا..نارت يا حبيبي.. أو.. وقبل أن أرد عليها كنت قد تناولت معطفي وخرجت مسرعا. وانطلقت في طريق المدرسة محاولا ترتيب الصورة من جديد في دماغي، ومرة أخرى عاد بي التفكير إلى الوراء، وكيف أنني كنت أرغب في تسمية إبننا زيدا أو عمروا ولكن زوجتي هي التي أصرت على هذا الاسم نارت. وعندما تساءلت لماذا نارت مثلا؟ كان ردها: لأن إبننا يا فهيم من سليل الفرسان ونارت كما فهمت من والدتك معناها فارس، وأنا عندما قبلت الزواج منك وفضلتك على فرسان عشيرتي كنت أعرف أنني أتزوج فارسا.
- فارس وفرسان وخيل، ألا ترين أن عهد الفروسية قد انتهى..
- قد يكون عهد الفروسية انتهى من حيث الإعتماد على الخيول في الحياة اليومية.. ولكن الفروسية كمفهوم وأسلوب حياة ووسيلة للوقوف في وجه تحديات الحياة لم تنتهي.. ألستم أنتم من عايش الفروسية بكل معانيها وفقدتم وطنكم في سبيل ذلك، لماذا تحرم إبننا إذن من أن يكون استمرار لهذا التراث؟ لم أستطع المقاومة أكثر من ذلك وكان لزوجتي ما أرادت وجاء نارت الى الدنيا وكبر بين أيدينا. وعلى عكس ما توقعت فقد تقبلت عشيرة زوجتي هذا الإسم، وكنت اسمع حماتي تناديه بين الحين والآخر: فارس، فارس والله،.. نارت يا روحي معناها فارس. والطفل ينظر إليها فاتحا عينيه الزرقاوتين في بريق عجيب.
والواقع الذي لا أجد حرجا من الإعتراف به هو أنني كنت أخسر كل معاركي من هذا القبيل أمام زوجتي، فهي التي أصرت على ذهاب إبننا إلى مدرسة الأمير حمزة، وهي المدرسة العائدة للجمعية الشركسية، فعلى الرغم من إعتراضي بأنها بعيدة عن بيتنا وأن هناك مدارس أفضل منها من حيث الإعداد و التسهيلات. وقفت زوجتي مرة أخرى أمام إصراري: المدرسة يا عزيزي مكان للتربية أكثر منها مكان للتعليم وإبننا لديه الحق في الحصول على هذه التربية، أم أنك تعتقد أن عهد التربية قد انحسر هو الآخر.
أفقت من أفكاري مرة أخرى على صوت منبه السيارة التي خلفي على الإشارة الضوئية، وعندما حاولت التقدم للأمام سبقني السائق الذي كان خلفي ونظر إلي نظرة حاولت جاهدا أن أتفادها، وبصوت يخلط فيه التهكم بالإستغراب قال: ماذا يا أخي ألم يعجبك أي لون من ألوان الإشارة.. أخضر.. أخضر يعني إمشي يا عالم، اوف!!.
وصلت المدرسة وكان التلاميذ قد تفرقوا.. معظمهم.. ونارت يقف في مكان منزو من الساحة وعندما رآني جرى نحو السيارة، بابا.. لماذا لم تأت كل البابات جاؤوا… فتحت له باب السيارة وبدأنا رحلة العودة إلى البيت، ونارت يقفز من مكانه داخل المقعد ويدندن بأغنية لم أتبين لحنها أو كلماتها.. نارت ما هذه الأغنية إرفع صوتك.. سمعنا. وعندما أعاد الولد الغناء بصوته الناعم الجميل شعرت أن الزمن قد توقف وأنني ألعب في فناء منزل جدتي.. جدتي التي عاشت أكثر من الدهر نفسه، وسمعت صوتها يرتفع من جديد بنفس هذا اللحن، وهي تنظر إلي وتقول إنها أغنية الوطن، أغنية الأهل يا صغيري.