المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : محمود درويبش..مات ومتنا،كلُّ في كفن


سهى هشام الصوفي
17-08-2008, 21:38
تدخل الحروف دار أيتام شيدته فاجعة رحيله ،تدخل بلا سجلات ولا أوراق،يكفي أن نقول مات درويش لتقبل دور اليتم في العالم حروفنا الممددة على توابيت الرحيل،لا نقاط تكحلها،لا علامات تشكيل ،فقط بضعة خربشات،جثث مكفنة ببياض الفراق تستنجد ببعض منه:أن ابقي معنا حتى يبقى الحرف فينا جسر لقاءات أثمرت زهر اللوز في رحم الكلمة فكان ما هو أبعد .
نحيب الكلمة يشق الطريق من رام الله إلى الشام،يمزق صمت الموت،يستأذن من ولولة الأصوات التي أخذ صوته من حناجرها استراحة عاشق،فعلمها كيف يكون الحب وكيف تكون الهزيمة وكيف لا نكون عشاقاً إلا بدوايينه،تحط على عتبات لقاءاتنا مرساة مدن تلتقي على حضن غيمة،يقرأ لها كلماته،يعتذر عن عجزه في كتاب قصيدة،درويش قتله وأهداه ديوانه:"اتركني أنوب عنك في صلبها على أعمدة الشعر"،قالها ومضى، يحط رحاله على عتبات لقاءات أخرى،لم يعرف درويش أن العشق ناب عنه في هزيمتنا،لم يعرف أن الصوت استعار صوته في الآه الساقطة حزناً من حروفه،لم يعرف أنه وحد القدس والشام في رواية هزمها موته فأجل لقائي به.
مات درويش قبل أن أعترف له أني من صنع صوته،في صوته كان مخاض الحرف الأول،ومن ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" سقط الغيث من الغيث فسقى حقول الياسمين حتى عربشت على حدود المستحيل بين أوطاننا،فخجل التاريخ من نفسه ،ترك باب العبور مفتوحاً لتدخل منه حروف العشق على هودج درويشي عرف في السر أنه سيحمل إله الشعر ذات يوم ملفوف في كفن.
ذلك الفلسطيني الجميل،ذلك الصوت المصر على الحياة عاد في كفن نسجته آلهة الشعر على عجل.لم تتوقع الآلهة أن الموت سيظلم فلسطين كما ظلمتها الحياة،حفر له "متراً و75 سنتيمتراً،والباقي لزهر فوضوي اللون،يشربه على مهل"،مد يده على عنق الحروف وخنقها على مرآى الشعر،هكذا ببساطة،"كأن شيئاً لم يكن".
درويش،كنا نحبك أنت،لا مجازك،صوتك الخارج من رحم الزيتون والبرتقال أنبت في ذاكرتنا وطناً نشره صوتك على أعمدة الكون،فكان لنا بمعزة الأبن المخطوف الساكن على بعد مستحيل،فمَن مِن بعدك سيغني عوضاً عن ذاكرتنا "نشيدنا الوطني"،راهنت ذات يوم على أنه"لو نجح المؤلف في كتابة مقطع في وصف زهر اللوز،لانحسر الضباب عن التلال،وقال شعب كامل:هذا هو،هذا كلام نشيدنا الوطني"،خسرت الرهان يا صوت فلسطين.من بعدك لن تنهض الحروف من مراقدها،موت الحرف في الحرف هو قدر الشعراء والمؤلفين ،زهر اللوز سيظل بلا إنصاف،لن ينحسر الضباب عن التلال،ولن يغني شعب كامل نشيداً وطنياً واحداً،سقطت النقاط عن الحروف يوم رحيلك،لم يعد بإمكان الصوت أن يستعير منك قصبدة،سيخجل العشاق من أخذ ورثك الشعري هدايا لنسائهم.موتك هزمنا كما هزمنا الحب في قصيدتك:"يا حب لا هدف لنا إلا الهزيمة في حروبك..انتصر أنت انتصرْ،واسمع مديحك من ضحاياكَ:اتنصر،سلمت يداك،وعد إلينا خاسرين وسالماً".
درويش البنت التي قلت لها "ليتني كنت أصغر" كبرت في جنازتك،لم تسهر حتى الصباح،ليسود ما تحت عينيها "خيطان من تَعَبٍ متقن يكفيان لتبدو أكبر"كان يكفيها أن ترى نعشك لتكبر،فيا ليتك لم تحزن لأنك لم تكن أصغر.شاخت العاشقات والحروف يوم افتقدتك،فكنت في حضورك و غيابك إله الشعر الذي لايكبر ولا يصغر.