عرض الإصدار الكامل : قصائد غادة السمان
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 03:59
لكم قصائد الشاعرة والكاتبة( غادة السمان)
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 04:06
رسائل الحب
لا تكتب لي رسائل حب بعد اليوم لأنني لن أنشرها! لا
تفتتني بحامض قلم ينسكب من السطور على طرف قلبي. لا تقلْ
لي إنك تحبني، فأنت أداة القدر في مؤامرة محكمة لإذلالنا معاً.
أحببتك بين ضحكة وأخرى من ضحكاتي، ونسيتك بين ميتة
وأخرى من ميتاتي...
ولن أعيد إليك رسائلك.
فالبحر لا يعيد دوماً إلى البر غرقاه.
يتبع
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 04:37
أميرة في قصرك الثلجي
أين أنت أيها الاحمق الغالي ؟
ضيعتني لأنك أردت امتلاكي ! ....
* * *
ضيعتَ قدرتنا المتناغمة على الطيران معاً
وعلى الإقلاع في الغواصة الصفراء ...
* * *
أين أنت ؟
ولماذا جعلت من نفسك خصماً لحريتي ،
واضطررتني لاجتزازك من تربة عمري ؟
* * *
ذات يوم ،
جعلتك عطائي المقطر الحميم ...
كنت تفجري الأصيل في غاب الحب ،
دونما سقوط في وحل التفاصيل التقليدية التافهة ..
* * *
ذات يوم ،
كنتُ مخلوقاً كونياً متفتحاً
كلوحة من الضوء الحي ...
يهديك كل ما منحته الطبيعة من توق وجنون ،
دونما مناقصات رسمية ،
أو مزادات علنية ،
وخارج الإطارات كلها ...
* * *
لماذا أيها الأحمق الغالي
كسرت اللوحة ،
واستحضرت خبراء الإطارات ؟
* * *
أنصتُ إلى اللحن نفسه
وأتذكرك ...
يوم كان رأسي
طافياً فوق صدرك
وكانت اللحظة ، لحظة خلود صغيرة
وفي لحظات الخلود الصغيرة تلك
لا نعي معنى عبارة "ذكرى" ..
كما لا يعي الطفل لحظة ولادته
موته المحتوم ذات يوم....
***
حاولت ان تجعل مني
اميرة في قصرك الثلجي
لكنني فضلت ان ابقى
صعلوكة في براري حريتي
***
آه اتزكرك
أتذكرك بحنين متقشف ...
لقد تدحرجت الأيام كالكرة في ملعب الرياح
منذ تلك اللحظة السعيدة الحزينة ...
لحظة ودعتك
وواعدتك كاذبة على اللقاء
وكنت أعرف انني أهجرك .
* * *
لقد تدفق الزمن كالنهر
وضيعتُ طريق العودة إليك
ولكنني ، ما زلت أحبك بصدق ،
وما زلت أرفضك بصدق ...
* * *
لأعترف !
أحببتك أكثر من أي مخلوق آخر ...
وأحسست بالغربة معك ،
أكثر مما أحسستها مع أي مخلوق آخر ! ...
معك لم أحس بالأمان ، ولا الألفة ،
معك كان ذلك الجنون النابض الأرعن
النوم المتوقد .. استسلام اللذة الذليل ...
آه اين أنت ؟
وما جدوى أن أعرف ،
إن كنتُ سأهرب إلى الجهة الأخرى
من الكرة الأرضية ؟ ...
* * *
وهل أنت سعيد ؟
أنا لا .
سعيدة بانتقامي منك فقط .
* * *
وهل أنت عاشق ؟
أنا لا .
منذهجرتك ،
عرفت لحظات من التحدي الحار
على تخوم الشهوة ...
* * *
وهل أنت غريب ؟
أنا نعم .
أكرر : غريبة كنت معك ،
وغريبة بدونك ،
وغريبة بك إلى الأبد .
(يتبع)
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 05:55
أشهد بالسفن الغاربة
لماذا كلما تذكرتك
اسمع صوت السفن الغاربة
عن شواطئ أحبتها
و هي تطلق صرخات الوداع
مثل طيور استوائية
فاجأها اعصار الطوفان ...
هل يعني ذلك أنني .... أحبك .. ؟!!
يتبع
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 06:00
اشهد بنخلة عربية
حنجرتي محشوة برمال عصور
من صحاري الصمت
لكنني أصرخ رعدا : أحبك !
**
لا تخرج من دمي
طموحي اليك شاسع و متجدد
و مع حبك
القناعة كنز لا يفنى ...
**
حينما اسمع صوتك
اغادر به الجرح و السرداب و الحرب
لأعود الى اصولي جنية مباهج
و نغطي همساتنا بقناع الضحك
بينما يتجسس علينا
جواسيس الأقمار الاصطناعية ...
ثم يعلو المد و يفيض الوجد بحرا
فنصمت
لحظة صمت متوحشة الأشواق
كعناق صحراوي مشبوب
في ليل الدفء و الظلمة ...
**
لحظة صمت تعلو فيها حكايا الف ليلة و ليلة
و صرخات قيس و انتحاب ليلى
و هذيان كثير و عزة
و ضحكات الغدير و السراب و الواحة ...
لحظة صمت من الكهارب
و السيالات الروحية المتبادلة
و نتفاهم بما وراء اللغة
و الكمبيوتر " الجاسوس " المسكين
لا يلتقط من تلك الآكوان المشبوبة
و هو يرصدنا
غير لحظة صمت خاوية ...
**
أحببتك رجلا لكل النساء
للدورة الدموية لاجيال من العشاق
و سعدت بك فاشتعلت حبا
اغمر به حتى عابري السبيل
و كدت اتوه عنك
و اشرد من بين اصابعك ..الى غيوم الضوء ...
**
رحابتك تطلقني الى المدى
صباح الليل يا سيدي
و كل صباح لا يشرق صوتك فيه
ليل منفى كئيب
يصير فيه الاسبوع
سبعة قرون ...
**
بين ثلوج الغربة
نمت بذرة حبك
فكانت نخلة عربية ...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 06:02
أشهد على مخاوفي ......
و لم أكن لأثق بك
ادا صافحتني
خشيت أن تسرق أصابعي ....
و ادا قبلتني
أحصيت عدد أسناني ....!!
لكنني .... أحببتك .....!!!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 06:03
أشهد على شاعر آخر أحببته
منذ ألف عام ...
شاعر يموت في فندق بحري
و صبية تتسكع امام الباب
على رصيف الاحلام تنتظر مركبا تجهله
سيرسو حاملا حبيبها المجهول
دون ان تحين منها التفاتة الى نافذة المحتضر ..
و مر الف عام
كبرت الصبية و صارت " انا "
و اكتشفت حين تعلمت القراءة جيدا
ان الشاعر الذي ابحر به الموت ذلك الزمان
كان الرجل الذي احبت
و كان اسمه بدر شاكر السياب
**
لقد وقع خطأ بسيط :
قرأت حروفه بعدما رحل به المركب
ووعيت انه الرجل الذي كنت انتظر
و لكن بعدما مضى !..
اهذا قدر الفنان ؟
خطأ صغير في التوقيت
مع القراء و الزمان ؟...
و هل سيبكيني حبيبي الحقيقي
على باب الفندق
و لكن بعد رحيلي على ذلك المركب
بعد ذلك بسنوات طويلة ؟..
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 06:05
أشهد على حماقة جميلة
كنت منفية الى حبك الطلسم
داخل الاختناق
و ها أنا اليوم
مطلقة السراح من وهم اسطورتك
كأية فراشة جشعة
تطارد أزهارها و شموسها ....
***
كان أطرف ما في حبي
لصورتك النجمية الموشومة في وهمي
أنه يمكن أن أمر بك في الشارع
و أراك ولا أعرفك
و أظل أبحث عنك
داخل صورتك في الصحف ...
و أناديك ....!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 06:11
أشهد على ضيف غريب الأطوار
امام ذلك الصديق الصامت
تشاجرنا
قلت لي انني ابريق عتيق
و قلت لك انك جورب مثقوب ..رث كالزمن
و هو صامت ..
اكدت له انني كاذبة كقديسة
اكدت له انك بروليتاري مزور
كالانابيب الباهظة التلوين
في جدران " البوبور "
و هو صامت
***
و ضربتك بطابات التنس الصفر
فأهلت على رأسي كتبي ..و اورارقي ...
و حين طعنتني ببطاقة سفرك
لوحت لك بعلم النسيان و اللامبالاه ..
و هو صامت ..
***
و تناثر ريشي و ريشك في فضاء الغرفة
و انت تقسم بالليمون انك ستتفرغ لكراهيتي
و انا اقسم بالكحل على الكيد لك بالتعاويذ
و هو صامت ..
لعنت لك ....و شتمت ....و الافعى معا
ثم لا اذكر كيف ...تعانقنا فجأة
و تصالحنا و هو صامت
و رقصنا حتى مطلع الفجر
و غنينا احلى اناشيدنا في تمجيد التفاحة
و لم نكلم بعدها ذلك الصديق ابدا ...
***
جبنا غريب الاطوار
ممتلىء السرة بالرمل
كالطفل الناجي من قارة ابتلعها البحر للتو
مدهش
كضحكة عجوز قادمة من اعماق القلب ..
ناشز
كقبعة رياش ملونة على رأس راهبة ...
قد اهمسك بفتور
او اكتبك بالجنون و الشوق خاتمة العشاق
او اناديك مقتولة بكراهيتي لك
و بحبي في آن
ثمة شيء من الهذيان بيننا
اغلق حبي على نسيانك
فتلود النوافذ المشرعة من الجدران
و تظل تركض ظلالك في عروقي
ركض النار في الغابات
و اكره و احب انسيابك المتوحش
في انهار شرايني و رمالي المتحركة ..
كأنك كائنات السر و الطحالب السأم معا
و لا شفاء منك الا بتلك الممحاه السحرية
الملقبة بالنسيان
و لكنها لا تباع الا في دكان الموت ..
فمن يشتري لي ؟
أم ان النسيان هو الهدية المستحيلة ؟...
***
حبك ضيف لا يطاق ..
يأتي حين لا اكون مستعدة لاستقباله ...
يدخل من النافذة و يحتل فراشي
يرفع قدميه الموحلتين فوق وسادتي الحريرية ...
ينفث دخان غليونه داخل رئتي
يرد على هاتفي و يطرد اصدقائي ..
يتناول دفتر مفكرتي
ليشطب ما يشاء من مواعيدي ...
***
يملي علي تسريحة شعري
ولون ثيابي و اقراطي
و نبرة ضحكتي و ايقاع مشيتي
و صابون حمامي و نبضي ...
يأمرني بشراء شمعة سوداء
ووردة حمراء
و يرمي باوراقي
كي ينضد احذيته في مكانها
و يفهمني منذ البداية
انه لن يقيم معي ابدا
لكنه يرفض اطلاعي على مواعيد طائراته
و جدول اعماله و بوصلاته السرية ...
اثور عليه و لكنه يرسم لي
جداول مواعيد نومي و صحوي ..
و يكتب لي احلامي التي ساراها و كوابيسي
استسلم منهكة
و اصير دمية بين يديه
و انهض ليلا و انا اهذي باسمه
فاجد النوافذ مشرعة
و جلالته رحل
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 07:43
أشهد بليل المحطات
كنت افكر بعلاقة انسانية حقيقية
نحياها معا
في دهاليز احزاننا و خيباتنا
و نواجه بها الموت و الحزن و المجهول ...
و نتبادل خلع الاقنعة و الحب
في ليل المحطات الموحشة الماطرة
الملقبة بأيامنا ....
***
و كنت أنت تفكر بشيء اخر ...
و تخطط لاستعراض راقص
نقدمه للآخرين
على مسارح الفضول المتبادل و الثرثرة ...
***
.. و كنت أفكر بك توأما لعذابي ..
و كنت تجد اننا نصلح معا
لتكوين زوجي فكاهي استعراضي جديد..
***
كان حبي لك صادقا كالاحتضار
و كان حبك لي زبديا كالفقاعات ...
جئتك من باب الأعماق البحرية
فأخذتني الى كواليس الثرثرة الاستعراضية ..
***
اردتك السر
و اردتني النصر ...
مجرد نصر اضافي اخر
لشهريار المترع بالضجر ...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 07:47
بطاقة من أثينا: المطالعة
أحاول عبثاً قراءة الأبجدية الإغريقية للتماثيل في المتاحف
ذات الغبار المضيء، وأتذكر كيف كنتُ أتهجَى أطلس جسدك
مغمضة العينين، وأتعلم القراءة بطريقة برايل...
أتذكر كيف علّمتني دروس الفصاحة: صوت التقاء النار
بالماء. شيء بين الصراخ والتنهد، في مهرجان الحواس.
...
وكان الليل يهتدي بجسدك ، ويخترع المنارات.
معك وعيت أن المنارة عتمة عاشقة كقلبي، أضاءت
بأبجديات حبك...
معك اكتشفت المطالعة في ملكوت ظلماتك.
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 07:50
بطاقة هوليوود: الثراء المدقع
لم أصدق يوماً اكذوبة الكسالى بأن المال لا يصنع السعادة
إلا في هذه المدينة...
اكتشتفتُ في هوليوود أن بوسع المرء أن يكون ثرياً وجائعاً
إلى الحب، شهيراً ويختنق - في الزحام - وحشةٌ!
معك اكتشفتُ ذات يوم حباً أطول من الزمن، وأكبر من
الفراق، وأكثر شراسة من الغياب.
معك اكتشفتُ قاعاً آخر.
لكن الرياح لم تحالف شهوات الأجنحة.
إنها تمطر في "صن ست بولفار"... حيث أطارد ظلك.
ترى أين تنتهي دموعي،
وأين يبدأ المطر؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 07:55
بطاقة أورلاندور: جغرافيا الأمزجة
يا صديقي فارس الشهامة وزين الشباب دائماً.
يا صديقي الذي يستعصي على النسيان.
في دفء قلبك قبسٌ من دمشق. في صوتك همسات بردى
وموخ قاسيون. ومن سماعة الهاتف يتدفق عبير الياسمين كلما
ناديتَ باسمي.
حين أموت يا صديقي، اكتب على قبري:
"
رحلتْ كثيراً، ولم تغادرْ دمشق!".
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 07:58
بطاقة من باريس: الهرب
مع حبك، الهرب هو البطولة الوحيدة الممكنة !
فحبك كالطُرقُ القروية في العالم الثالث
نصفها مسدود،
والنصف الآخر يقود إلى هاوية!...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:10
بطاقة امستردام: كآبة التحفُّظ
والتقينا في بهو الفندق آخر الليل في آخر العالم.
يا للسخرية السوداء ، في ذلك "الاحترام" المتحفظ الجاد
المتبادل بيني وبينك!
نحن اللذين غطسا مرة في البحر مسحورين بضوء الغروب
الوردي في مقهى الشاطئ بكامل أناقتهما، دون أن يخلعا
ثيابهما ، أو يُلاحظا أن ذلك حدث لهما وأنهما مبتلان، ويتبادلان
قُبلات البراءة أمام بقية الزبائن!
يا للسخرية السوداء،
في حب كان عفوياً كالريح والموج والتنهد،
وصار مع الزمن صداقة لزجة،
مثل كعك شاي بعد الظهر في فندق باريسي فخم!
من قلَّمَ أظافرنا أيها الشقي.. الزمن أم الضجر؟
وكيف رضينا بالتحوّل من فهدين في غابة ملونة ترقص في
الريح إلى كلبَيْ زينة يرتديان قميصين حاكتهما عجائز الثرثرة
والشائعات بأيدٍ مثقلة بأساور الندم والذهب؟
تصافحنا كغريبين! هل لذراعك نبضات، وهل لقلبي دقات،
وخلف "حقيقاتك" وحقيقاتي،
هل تبقّى لنا وجه تحت القناع؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:16
تام تام زين الشباب
حين شاهدك غاليله،
أعلن أن الأرض تدور حول عينيك...
حين شاهدك نيوتن، أكل التفاحة وراقص الأفعى،
واكتشف قوانين جاذبيتك...
حين شاهدك هاملت قال:
أن أكون معك، أو لا أكون معك، تلك هي المسألة...
حين شاهدك عطيل، عرف الحب ونسي الغيرة،
وترك ديدمونة وشأنها... ولحق بموكبك...
حين شاهدك شايلوك نسي الذهب...
حين التفت إليك اورفيوس في القارب،
اختار العودة معك إلى الجحيم...
حين شاهدك "بارِسْ" اكتشف سر الحب العذري، ولم يُغرق
ألف سفينة إكراماً لعيني هيلين، بل غرق فيهما.
ولم تقم حروب طروادة، ولم يكتب هوميروس الالياذة بل
شارك أوفيد في كتابة "فن الحب"...
حين شاهدك أرخميدس لم يستحمّ في حوضه المائي
الصغير، بل ذهب إلى المحيطات ليستحم وأقام في الريح وتزوج
من عروس بحر...
حين شاهدتُك، أدركت كيف يصير الفرار شجاعة،
ورحلت إلى الطرف الثاني من الكرة الأرضية، فحبك
عبودية...
من قال... "عيناك قدري"؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:20
تام تام في عاليه
أما زال "ملهى التام تام" في عاليه،
هليكوبتر خرافية معلقة فوق مدينة وبحر،
وبيروت في القاع الليلي، مضيئة وملونة،
كمجوهرات جنية خلعتها على الشاطئ ونسيتها؟
أما زالت عيناك
تقرعان طبولاً عنيفة حارة مشدودة كرماح افريقيا؟
ما زلت حين أتذكر عذوبتك الشرسة،
أسمع قرع طبول أحرقت بشرتها شمس حارة وأعود تمساحاً
صغيراً بريئاً يطارد ذيله على الرمال.
تام تام داخل دورتي الدموية حين استحضرُك،
تام تام عبر قارتين وجرحين وشجارين ونسيانين،
تام تام الجنون بين رسالتين ودَمّين واشتعالين،
تام تام قرب "بيسين عاليه" وذرى الجبال والأرز،
تام تام وساحرة الحب تحرك مزيج الهذيان في قِدْرها الشاسع
كبحيرة، وتزيد من إيقاد النار...
تام تام أينما كنت،
فأنت الاشتعال المتجدد لرماد الذكريات،
ومعك،
الماضي هو المستقبل.
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:22
تام تام دمشقي
حين تبتسم، تصير حروفي وروداً حُمراً تكتب اسمك على
عرض جبل قاسيون قرب قمته، وقد نبتت في ليلة واحدة،
وأدهشت أهل دمشق حين استيقظوا ووجدوها هناك، بعد ليلة
مقمرة أضاءها قمران: واحد من الزئبق والآخر من العاج.
حين تعبس، تصير حروفي أسلاكاً شائكة.
حين تسأم، تصير حروفي بومة تغرد بعينين تدمعان فرحاً.
حين نفترق، تصير حروفي جثث أطفال مرمية فوق السطور.
حين تغدر بي،
تصير حروفي مفخخة، وتنفجر بك!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:30
تام تام الماوراء
أعرف أن كل ولادة، هي موت مؤجل،
فلا تدع الكلمة الجميلة إياها تولد على شفتيك.
لا تقل لي "أحبك"، فذلك إيذان بموت الحب...
ليبقَ حبنا وعداً غامضاً، حمْلاً "مشكوكاً" بأمره، إمكانية
تحقق غير مؤكدة.
دع حبنا يقف على حافة الحب، ليدوم أطول وقت ممكن...
الاعتراف المتبادل بالحب هو تحرير لصك وفاته!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:34
تام تام الطراف
أحببتُ حبنا لأنه معطوب،
يسعل كمصاب بالسل لكنه يثابر على التدخين،
و "يحزن" كحمير الباعة المتجولين ويشاكس مناكداً،
ويتهكم كذاكرة عجوز متقاعد،
ويتنهد كرخام القبور في ظلمة الليل،
ويتوهج كالكذب الصادق،
ويتقلب كالطقس الأوروبي،
وينهار كالمجد غير التليد!
أحببت حبنا لأنه على صورتنا: مكابر وصادق وهزلي!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:37
تام تام الحرية
أمشي وحيدة على أرض المطار وسعيدة...
لم يودّعني أحد في المطار السابق،
ولا ينتظرني أحد في المطار الآتي،
وما من مخلوق يتبعني.
وحده موظف الأمن في المطار يسألني : ما اسمك؟
اسمي الحرية... الحرية...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:43
أشهد بأصابع الأشجار
ها هو نهر الزمن يجرفك ...
و الأشجار تلوح
بأذرعها الشبحية الرياحية
"وداعا"مرسومة بالأخضر...
و العصافير تعول بمناقيرها المكسورة ...
و أنا أتامل المياه تغمر وجهك
الذي كان يوما منارتي ...
و لا أقول شيئا ...لكنني أتثائب
***
لقد ألفت هذا المشهد
و كنت أعرف منذ البداية
أنني وجدتك لأضيعك
و أحببتك لأفقدك
فقد التقينا مصادفة
و أنت ذاهب الى فرحتك بمجدك ...
و أنا راجعة من ضجري بكل ما يفرحك الآن ...
و كنا سهمين متعاكسي الاتجاه
و كان لا مفر من الوداع كما اللقاء ...
***
أودعك بغصة صغيرة ..
فلحظة عبر كل منا صاحبه
أضاءت الدنيا كلها لبرهة
كما البرق المفاجىء في سماء صيفية ...
و شاهدت حقيقتي الهشة ..
و حقيقتك الهزلية
و لكن أمطر الحب دفئا ...
و في الاعصار امتزجنا
و توهمت العناصر أن لا فراق لنا ...
جميل أننا التقينا
و مريح أننا افترقنا ...و دخلنا في التثاؤب...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:52
حب مطهم
يوم أطلقوا اسمك على أحد شوارع مدينتك
أطلقت اسمك على أحد شرايين قلبي!
أذكر كل ما كان... أنسى كل ما كان...
وعيناك تهديان الفجر إلى الديكة. تهديان قوس قزح إلى
الغيوم الماطرة. تهديان قمر الليل للذين ينتحبون بصمت. تهديان
البنفسج للتنهد.
عيناك ترشدانني إلى وطني من جديد... فيتناثر قلبي في
فضاء الليل ألعاباً نارية.
أحببتك مرة، لكنني رفضت الإقامة الجبرية داخل معطفك!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:55
حب نرجسي
هل هو الدم الذي يسيل في عروقك حقاً أم العسل؟
حينما اشتعل بشهوة الكتابة إليك، يغلي الحبر في المحبرة
أمامي كمرجل، ويتحول القلم في يدي إلى مشعل...
يناديني الفجر: يا نرجس...
أقرّب وجهي من ماء البحيرة الصافي،
وأحدّق جيداً فأرى وجهك...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 08:59
قبر لحفّار القبور
لم يخطر ببالي يوماً
أنني سأحب حفّار قبور يونانياً،
أصابعه موسخة بالتراب والتاريخ...
يرقص ويكسر الصحون والأكواب ويغنّي بحرارة زوربا،
ويشرب ابنة الكرمة ويحتفي بي طوال الليل... ويسألني عند
الصباح مستنكراً: أما زلتِ حيّة؟
على صفحة البحر، بين الأمواج الزرق المحيطة بالجزيرة
البيضاء، شاهدت ذلك المركب وعرفته: إنه أول مركب ورقي
طويته حين كنت طفلة وقذفت به في البحر... كان لا يزالُ
يرقص تحت الشمس صامداً كبارجة ولمّا يبتل منذ ذلك الزمان
الغابر...
ذات صباح مشرق، حفرت قبراً دفنت فيه حفّّار القبور،
ورحلت وحيدة في المركب إياه.
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 09:09
عش دبابير الذكريات
ماذا تريد منها ؟ لأجلك تعرَّت من كبريائها وأحبابها
وأصدقائها وماضيها وثيابها وقطاراتها وخرائطها وجنونها...
تريد تجريدها من ذكرياتها؟
لا. لن تتعرّى من ذاكرتها، كل شيء إلا هذا...
لا أحد يتخلّى عن عش دبابير الذكريات في صدره رغم كل
شيء...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 09:19
امرأة الذكريات
أحمل لك في منقاري رسالة من امرأة أحبّتك مرة، ونجتْ
منك حين تحولتْ إلى سنونوة.
رسالة حب مكتوبة بتموجات الشفافية المائية، بحبر شاحب
كالفراق.
رسالة كالهواء، عبثاً أبثّها لك على شاشة كومبيوتر البورصة
حيث تقيم نظراتك.
رسالة من امرأة سُنبلة، عشقت حدّ منجلها، والنجوم شهود.
رسالة من امرأة تخلصت منهم جميعاً.. تخلّصت من
أحبابها وأعدائها وازدهرت ازدهاراً سافراً... تخلّصت من المدن
كلها، وصارت تقيم في اللامكان واللازمان.
وحدها جثتك لا تتسع لأهوالها المقابر التذكارية التي شيّدتها
باتقان...
وحدك ما زلتَ تتدلى من عنقها كطائر اللعنة والتذكارات
العذبة!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 09:20
شبح في دمشق
منذ ألف عام كنت أروح جيئة وذهاباً طوال الليل على شرفة
بيتي في ساحة النجمة الدمشقية،
أنادي حباً لن يأتي.
اليوم هدموا المبنى، وما زالت الشرفة معلّقة في الفضاء،
وشبحي مازال يروح ويجيء طوال الليل فوقها...
بحثاً عن حب لن يأتي!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 09:32
أبوح لكم بسرّي
كيف كان بوسعي أن أحمل على صدري، ثقل مئات الشوارع
الموحشة التي مررت بها،
ومئات من حقائب السفر التي طالما هرولت بها تحت
المطر،
ومئات من الغرف المفروشة الكئيبة التي طالما أقمت فيها،
ومئات من القطارات المغبرة المنتخبة على أكتاف السكك
الحديدية، ومئات القرى المجهولة النائية
ومئات الفنادي الرمادية في مدن أجهل لغة أهلها،
ومئات النوافذ التي تهطل خلف زجاجها وجوه عدوانية
وثلوج، ومئات الحقول والمتاهات المغطاة بالضباب وأنا أبحث
عن مطارات تقود إلى مدن سرابية الآفاق، ومئات الأرصفة
المرتجفة في الزلزال...
كيف كان بوسعي أن أطيق ذلك كله، لو لم أكن أطبق بيديّ
على خارطة بلدي؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 10:44
مصابيح لشجرة الميلاد
هل لمحتَ أصابعي التي امتدت عبر قارتين،
لتعلِّق لك مصباحاً إضافياً ملوناً على شجرة الميلاد؟
لولا المحبة، لكان عمرنا جسداً محشواً بالخرق والظلام،
لولا المحبة، لكان أصل الإنسان ذبابة.
إذا فتحت كتاب البحر يا صديقي،
وقلّبت صفحاته موجة زرقاء إثر أخرى،
ستجدني كتبت لك عليها كلها بمراكب الأطفال الورقية:
ميلاد مجيد أيها القريب البعيد...
وإذا فتحت كتاب الزلازل،
سترى الأزمنة والمدن تنهار فوق رأسينا،
المهم أن تبقى يدي في يدك ليلة ميلاد سيد المحبة.
طفلان تائهان في ميتم العصر ومذابحه نحن،
عبثاً يلملمان الود عن غبار يتطاير في نسيج النسيان.
هل ابتسمتَ ليلة الميلاد،
ليشعر الضوء أنه في وطنه؟
ولتكتشف الوردة أنها امبراطورية سرّية؟
وليعود التنهد إلى مسقط رأسه في الدمعة؟
ولتتهامس النجوم على حضورك وتقول:
هذا هو القمر، فمَنْ المحتال الذي احتل مكانه في الأفلاك
منذ عصور؟
هل ابتسمتَ ليلة الميلاد،
أم إن الشمس صادقت شجرة الصنوبر من تلقاء نفسها؟
هل ابتسمتَ ليلة الميلاد،
فاكتشفت الشغاه كيف تصير أثيراً؟
وهل وشى بي الثلج وقال لكَ إنني ما زلتُ أحبكَ ؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 10:49
أنت، أم بيروت؟
ما الذي يحدث لي ويحوّلني من كتلة بشرية ثقيلة إلى أثير
ضوئي؟ أهو حبك، أم السماء البيروتي الفسفوري المشع؟
القمر كرة قدم أركلها على الشاطئ داخل مرمى صخرة
الروشة. الأسماك الملونة تحلق في السماء كالطيور. العصافير
والفراشات تسبح بين الأمواج... أمسك بيدك، نمشي فوق
صفحة البحر مع الزرافات المشتعلة، ولا تبتلّ أقدامنا العارية!
فوق الموجة العالية، نرقص الفالس الامبراطوري (بالجينز)،
فتكفّ عن إحصاء موتاك الذين لم يدفنوا، وما زالوا يتابعون
حياتهم المحنّطة. تهمس أنني المرأة الوحيدة التي ما زالت حية
حقاً في كوكبك... وتلذ لي كذبتك فأصدقها!
ما الذي يحدث لي؟
ألأنك تهطل عليَّ بكل أجسادك ونسياناتك ووحشاتك
وقصائدك، أرى أوراق الخريف تعود إلى أغصانها وقد
أخضرّت، والزنبق الأبيض غادره الذبول وعاد فوّاحاً كتنهد فم
عاشق مزدحم بالقبل؟
لماذا أرى شلالات لبنان تصعد إلى الأعلى هاطلة صوب
ينابيعها؟ أهو حبك؟ أم السحر البيروتي الذي يتقن إخراج أنهار
اللبن والعسل من قبعته (المثقوبة برصاص الحروب) كالحواة
المحترفين؟
لقد ظل الحزن يقطف مواسم غربتي عاماً بعد آخر،
حتى أعدتُ اكتشاف قارة شفتيك...
غادرتك، وشراييني ممتلئة برحيقك،
وعلى رملي خلّفت لي وقع خطى صوتك...
معك، أعود دائماً مخلوقاً بلا ماضٍ ولا عمر.
معك، يعود الوجود مكهرباً بنشوة غامضة،
وتعود الحياة عيداً، ويبدو الموت اكذوبة سمجة!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 10:53
أشهد بالهذيان
ضبطت نفسي متلبسة بحبك
مثل لصة صغيرة
تسرق رغيف حنان ..
***
وسط موقد الحمى
رأيت جنوني بك يتلهب
و انتظاري لهبوب رياحك
لا ينتهي ..
***
ضبطت نفسي متلبسة بالهذيان
أمام الأقمار الاصطناعية
ووهم حضورك ..
بينما كنت أنت مشغولا
بقطف رأس امرأة أخرى ..
لم أشعر بالغيرة
بقدر ما وعيت عظمة حماقتي !
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 10:57
غربات كثيرة وحب واحد
هل عشتَ يوماً مثلي
كآبة الغربة في محطة قطارات أوروبية شمالية مثلجة يطأها
المشرّد للمرة الأولى ولا يعرف كيف يتهجّى اسمها؟
هل عانيت سكرات المطر وأنت تقرأ خارطتك على جانب
الطريق والسيارات ترشق الوحل على وجهك، وأنت تجهل
وجهتك؟
هل سمعت انتحاب الأشباح المتوحّدة في الريح وأنت ضائع
في الدرب إلى حانة ضائعة في المطر؟
هل سمعت يوماً صوت نشيجك في درب مقفرة بين المطعم
الرمادي وغرفتك الرمادية في فندق الضياع؟
إذا كنت لم تفعل، فلن تدرك يوماً مدى فرحتي بالعودة
إليك، وإلى بيروت...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:00
مدينة الهمس
أعلن على الملأ: وطني محبرتي.
كل من يكسرها لصبغ حذاء غروره،
كل من يحاول اغتصاب أبجديتي لتلميع أوسمة هذيانه،
كل من يحاول تسوير جموحي في شوارعه المكهربة،
وإيداعي في أقفاص حديقة ببغاواته...
هو ببساطة خصمي الوحيد الأزلي بوجوهه المتعددة
المتوالدة.
لا. لم أنسَ شيئاً عن المقصّات التي طالما طاردت أجنحتي.
لم أنسَ جبروته على حطامي حين سقطت،
ومنادمته لقوتي حين خرجت من رمادي وطرت.
لم أنسَ أنه حاول اقتحام أسوار نفسي عبر ثغرة جرحي.
فهل نجرؤ ثانية على ارتكاب الفراق، أو اللقاء؟!!...
وهل نذعن من جديد لقرع الطبول الافريقية في القلب؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:04
المدينة الزئبقية الضوئية
مدينتان أنتَ،
واحدة في الذاكرة، والأخرى على سجادة الأرض.
واحدة تسافر في دمي بكل أشباحها الحقيقية،
وأخرى تتابع حياتها ببشر وهميين...
مجرد كتل مادية تركض بين النفايات الفاخرة المعلبة...
أحبك، لكنك حضور يركب قطارات الغياب ملوحاً بمناديل
الحواة...
فكيف ألقاك يا مدينة الشمس والزئبق والتفاح،
والجبال الشاهقة حيث يقيم الموتى الحاضرون والأحياء
الغائبون؟
اعتصمت بالنسيان فخذلني،
فللمدن وجوه وعتبات،
ووجهك كان وردة بحرية
مرّ بها أكلة لحوم البشر فالتهموها،
خلّفوها غصّة في الشرايين حتى مطلع القلب!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:09
مدينة البحر والموت
أخطُّ سطوري إليك،
مثل وحيد في جزيرة،
يكتب رسالته الأخيرة،
يودعها زجاجته الوحيدة،
يقذف بها إلى الأمواج على أمل أن يرأف بها البحر،
فيلفظها عند قدميك على الشاطئ الآخر...
أذهبُ إلى النوم كذاهب إلى الحرب،
مصفّحة بالصلوات، مذعورة من الكوابيس،
ومن حلم يشهر حبك عليّ كالسيف،
ويعيدني طفلة عارية القدمين
على أبواب مدائن جسدك
المعفّر بالدم والزعتر البري والتبغ ورائحة زهر البرتقال...
منذ خمسة عشر عاماً،
وأنا عبثاً أداوي نفسي من حبك بأعشاب النسيان...
أحتمي منك برحم الأبجدية، وإذا بك حبل الخلاص.
لا أعرف لي بيتاً غير العراء
في شوارعك الممزّقة بالحرائق...
فأنت حلم الحرية وسرابها، وأنا الهاربة من أشرطة تسجيل
جاهزة تحاول عبثاً احتلال حنجرتي، كريهة مثل أسنان اصطناعية
لميت، تريد أن تطلق صيحاتها - من صوتي الغجري - بنقيق
الإذعان للقمع.
خرابك حضارة،
مادام بوسعي أن أهرب إليك بأبجديتي من عسس الكلمة
وجلاديها.
ومهما دمغني الزمن
بميسم نار الحزن كالمواشي،
سأظل أُميّز بين البحر والمحبرة،
ولكنني أعرف أنهما يصيران واحداً،
حين أكتب صدقي على خط الأفق!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:13
حدث في جنازتي
كنت أتقدم المشيعين في جنازتي
حين التقيتك ومسّتني عصا حبك،
فصرت سنونوة بيضاء تُحلّق مع "رائد فضاء" خرافي إلى
كوكب جديد.
تراودني مدينتك عن نفسها، تقول لي: عودي إلى أحضاني،
والغزالة في قاعي تركض تركض والرياح تنشد: لا يُلدغ عاشق
من جُحر مرتين إلا في بيروت!
وأنا أنشد: لبيروت وحدها الحق في أن تفعل ذلك بنا.
في حب بيروت فقط، كلما استسلمت للتعاسة اكتشفت
الفرح!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:19
مدائن الحنان
لا أريد أن يغطي الدم المشتعل مدني المسافرة داخل
الذاكرة...
لا أريد أن أراه يسيل منتقلاً من مدينة إلى أخرى،
نهراً من الهول يجرفنا...
لا أريد أن يتَحَوّل طرف قلمي الدقيق الذي أخطّ به هذه
السطور شوكةٌ في القلب ونبعاً للحزن...
لا أريد أن أعزف على غير أوتار الفرح في أعماقكم...
ولكن كيف،
وبيروت عشرات المدن الراكضة مرة واحدة في الذاكرة
بأزمنتها المتعددة؟
كيف أنسى بيروت التي لم تكن مدينة،
بل قارة؟!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:24
مناضل زواريب"
لك عدو واحد،
تخترع له عشرات الأسماء الحركية
واسمه: الحرية...
لقد نجحت في شيء واحد: تزوير اسمك الذي كان أنبل ما
في حياتنا، فصار يدعو إلى الريبة كجاسوس مزدوج.
دوماً تشيّد حريتي ضريحاً لحبي وتشيّعه إلى مثواه الأخير في
مقبرة النسيان.
فالحرية لا تحب تجّار هيكلها.
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:28
الشامية الجارحة المجروحة
أين تلك الامسيات المتقشفة اللطيفة في ساحة النجمة
الدمشقية،
حين كان القلب يجنّ فرحاً لطلوع القمر، وهبوب رائحة
الياسمين على الشرفة، وأصوات الليل الشامي المجنون هوى بما
لا يدريه؟
أين ذلك الصدى
الذي كان أعلى من كل الأصوات،
وتلك الظلال الأكثر حقيقة من كل الأجساد؟
أين تلك الأوهام الغابرة الأكثر كثافة من أي صدق؟
وأين تلك الرعشات التي تولد من اللاشيء لتصير كل شيء؟
وأين تلك البنت الطيبة التي لم تكن تحلم بأكثر من حبيب
اسمه الاستقرار، ومنحها القدر كل شيء باستثنائه؟
أين تلك الصبية التي لم تكن لتذوب في النوم إلا لتتجسد في
أحلامها حقيقة خرافية؟
أين تلك البنت الضالة التي لم تضيّع يوماً نجم قطبها ولم
تتقن يوماً فن التلاشي ولا فن الاستقرار فتحولت إلى مركب يهيم
على أبواب القارات؟
أين تلك العاشقة البسيطة التي تنشد المطلق في كل رجل،
حتى دمرت رجالها بشهوة الكمال المستحيل؟
أين ذلك الصوت الذي بدأ صراخه داخل أذن الحبيب
المجهول، ثم صار يصرخ في البرية بين الماء والماء على طول
أربع قارات وعمقها؟
ثمة لحظات نادرة في بيروت...
على شاطئ البحر الساكن المسائي،
ألمح فيها وجهها حين أحدّق في المياه الأزلية...
أيتها البنت الشامية الجارحة المجروحة، أما زلت تذكرينني
كما أذكرك؟
عيد سعيد أيتها القاتلة القتيلة!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:37
من لبنان وإلى لبنان
أطير إليك من مدن الضباب الرمادية مثخنة بجراحي، وما
أكاد أعمّد جسدي في ماء بحرك حتى أشفى وأعود مهرة صبيّة
بوسعها أن تركض قروناً أخرى فوق سهوب الورق الأبيض...
معك يا لبنان أنسى أنني محكومة بالموت ككل الناس، ففي
ينابيع جبالك ماء الخلود والشباب الدائم...
معك أنسى أن العشب سينمو ذات يوم داخل قفصي الصدري
الهشّ الذي يخفق الآن بحبك...
معك أنسى أنه لن يتبقى من أصابعي التي تسطّر لك رسائل
الحب سوى سلاميات عارية يركض عليها النمل، ويتخللها ماء
المطر البارد في ليل مقبرة باريسية.
معك أتحوّل من امرأة إلى غيمة.
لم أكن أدري أن لي أنا أيضاً دموع فرح، إلا بعدما وطئت
مطارك بعد سبعة قرون من الفراق أو سبع ثوانٍ، ويزعم جواز
سفري أنها سبعة أعوام...
كنت اظن الشموع وحدها تبكي ليلاً، حتى وعيت معنى
فراقك... فماذا أهديك في العيد؟
أهديك غابات لم تستبدل أشجارها بغابات أسمنت...
وشوارع نظيفة من "الثورجية" ومجانين "الكلاشنكوفات الزواريبية
الوطنجية".
أهديك رجالاً يفعلون ما يقولون بعيداً عن أقنعة الكرنفالات
السياسية وتانغو الأهواء: خطوة إلى الأمام وقرناً إلى الوراء...
رجالاً يتحدثون عن الوفاق بلا وفاق.
أهديك نساء بلا خوف من الكمامة والسياط وبلا ضعف أمام
الطواويس الشهريارية؛ نساء يطالبن بحق الخطأ لا الخطيئة...
أهديك بيوتاً لم يسمع قرميدها أنين سجين، ومدارسَ لم
تتحوّل إلى ثكنات حربية. حدائق بلا ألغام، يقهقه بين أزهارها
الأطفال ولا يلعبون بالجماجم... وبيوت عبادة لا ترفع
الصلوات لغير الخالق العظيم وبلا ناطقين رسميين باسمه، وأفراناً
لم تصبح متاريس عداء تبيع الخبز المسموم.
أهديك مقاهي أدباء لها جدران بلا آذان. مجالس حوار لا
ديك "أوحداً" فيها ولا بطل فكرياً ملهماً.
أهديك عشاقاً لشاطئ الكورنيش يخبئون في أعينهم النجوم
وهم يتجرعون القهوة، في جيوبهم تطير الفراشات الملونة كما
في فضاء، وأقفاصهم الصدرية مليئة بعصافير تغرد ألحاناً نقلها
موزار في سرقات فنية باهرة.
أهديك الشواطئ المقمرة بلا مهربي مخدرات، ومطارات
بلا خاطفين.
أهديك في العيد راحة البال بدلاً من المال، أهديك النسيان
والصحو في آن، وأتمنى لو أهديك أثمن ما في الكون:
الحرية... الحرية... الحرية.
ولكن الحرية وحدها ترفض تعليبها وصرّها بالشرائط الحريرية
الملونة وإهداءها.
الحرية لا تُعطى ، وعليها أن تنبت على رمال شواطئك
وجبالك ووديانك... فهل سترعاها؟
وما الذي ستهديه لعشاقك مثلي؟
رصاصة؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:41
أبدية الصعود
طوال سنوات فراقنا يا دمشق،
كنت أذهب إلى النوم متشوقة وخائفة في آن، كما تذهب
العاشقة للقاء حبيبها الأول.
أتعذب ريثما أتجاوز مخاض الصحو وحواجز الأرق، ثم
أنزلق إلى بئر السبات وأنا أعرف أنكِ تنتظرينني على الشاطئ
الآخر للصحو... لأضع عند قدميك عقداً من الياسمين،
مقطوفاً من البراري الوعرة لقلبي...
لقد كنت دائماً مجنونة غير مؤذية...
أحببت رجالاً لم يلتفتوا إليّ...
ركضت خلف قطارات أجهل إلى أين تمضي...
عشقت مدناً أجهل لغة أهلها...
صادقت ديكة تعلن لصباحات لا تطلع...
اقترفت كمية لائقة من الحماقات...
لكنني احتفظت بياسمينك في قلبي نقياً ونضراً...
وحين وصلت إلى قمة عشقي لك،
تابعت الصعود!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:45
اشهد برجل على صهوة رسالة.
ذلك الرجل
الذي استطاع اقتحام مملكتي
على صهوة رسالة .. أحببته...
***
خارق العذوبة و الكبرياء
نقاء صحاري طهرتها الشمس
طوال عصور من اللهيب ..
ايها القادم من مسقط رأس أجدادي
و مسقط قلبي ..
أطلق سراحي من حريتي ..
خذني اليك
أجهز علي بحبك ..
هل ترضى بأن تموت امرأة مثلي
بغير خنجر العشق المستحيل ..؟
***
اني أحرضك على قتلي ..
فليجلبوا حروفي بعد مصرعي
كأحد الشهود على براءتك
من هدر دمي
على أرصفة الغربة ...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 11:55
أبدية بلا نهاية
قصف ... قصف ...
هات قطناً وكحولاً طبية وشاشاً ،
هات جبيرة ،
لنلفّ بها ساق الشرفة البحرية المكسورة.
هات تعويذة ،
نرد بها غضب الأسلاف والأجداد .
هات إبرة وخيطاً ،
لنرتق جرح القلب والكبرياء .
وحكِّم "مكمورة" الأطفال و "القجة"،
لنستخرج منهما جزيرة الحلم ،
ونهرب إلى أفيون ذكريات الآتي ...
لقد اصطفى الحزن هذه المدينة ، و صوّت لها الموت
بالإجماع...
ها نحن نرتعش ذعراً داخل أكياس الرمل، والقصف يزلزل
عظامنا...
يفخّخ جماجمنا من الداخل ثم يفجّرها...
نحلم بملمس العشب البرّي على الشاطئ...
نعلن بكبرياء الندم: أولئك الذين كتبناهم بالمحبة كرسائل
العشّاق المراهقين ، خرجوا من أحلامنا جلادين .. .
وها هم يعربدون في ثقوب قلوبنا،
يتّخذون من صماماتها متاريس لعبهم ...
لقد غدروا بنا يا صديقي...
حبلنا منهم بالأحلام الكاذبة، فولدنا الفقاعات والرماد...
تعثّرنا بقلوبنا.. ولكنني أقسم بدمك - ذاك الذي يسيل
بهدوء حتى البالوعة - وأقسم برأسك المقطوع العائم في سواد
الملجأ بلا جسد: لن نستسلم لكرنفال غسيل الذاكرة...
***
قصف... قصف...
وأنا تعبتُ من نظراتٍ غامضة...
تتهدد بالشرّ والوعيد كالأزقة الخلفية المعتمة...
تعبتُ من وطن يسلبني حق التصويت...
يمنحني فقط "حق الذبح": أن أكون ذبيحة!
لي أن أختار بين أن أكون ذبيحة أو أنضم إلى فريق
الجزّارين...
أنا لا أريد أن أَقتل ولا أن أُقتل...
أريد أن أحيا تحت سماء صافية حتى من غيومها، بعيداً عن
هباب البارود فوق البراعم...
هل تذكر يا صيديقي أيام كان رجال شرطة السير يحررون بك
مخالفة بدلاً من مسلحين غامضين، يعتبرون حياتك "مخالفة" لا
تُغتفر... ويسوقونك إلى الذلّ الإجباري كل ليلة؟
هل تذكر مرحنا في شوارع مضاءة لم يكن اسمها "نقاط
تماس" ؟
وكيف كنا نتدفق إلى البحر في شواطئ لم تكن "مواقع
استراتيجية"؟ وكيف كنا نصافح جارنا ونسأله عن صحته بدلاً من
دينه وملّته وطائفته وأمير حربه وذخيرته؟
كيف تركناهم يسرقون منا أحلامنا ، وأكبادنا، ليشحّموا بها
أسلحتهم وجنازير دباباتهم ؟
كيف رضينا باستبدال رمال الشواطئ بأكياس الرمل في
الملاجئ ؟
كيف تركناهم يقصّون زيتوننا العتيق ويبيعوننا إياه كوماً من
التوابيت بدلاً من سرير عرس؟
كيف لزَّمناهم مزايدة "العدالة الاجتماعية" ، فأسلمونا للحزن
بين القصف والمجاعة؟
هل تتذكر أيام كان الفرح نضراً كخسّة وبريئاً كالكرز، وكنا
نريده أن يعمّ الجميع وصدّقناهم؟
هل تتذكر أيام كان المشي في الشوارع لا يُعتبر تهمة زنا مع
الفرح والحرية؟
هل تذكر كيف كان الأطفال يذهبون إلى المدارس دون أن
ترافقهم "مارشات" القذائف هدية من "ماريشالات" الدمار؟
حذار من الذاكرة مرة،
وحذار من النسيان ألف مرة...
***
قصف...قصف...
ولكنني لن أنسى كيف احتضنتني بيوت القرميد في تلك
التلال والشواطئ...
لن أنسى كيف سندتني جبال الصوان واحتواني كفّ البحر
المشمس...
لن أنسى كيف انفتحت لي الحقول والقلوب ككتاب، وحنت
السراخس وأعشاب الليل على جرحي...
لن أنسى كيف أحاط بي دفء الطيبين واحتوى أبجديتي
كالرحم، وكنت متوحشة كنبع ارتوازي، وبريئة كنبع لا يد له في
تدفقه...
لبنان، الكلمات إطارات نجاة مثقوبة في بحار حبك
المضطربة... فماذا أقول وأنا سمكة كان بحر بيروت لها محبرة
حرية؟
***
من ينسج هذا الحنين إليك في حنايا روحي أيها البعدي القريب؟
لم أعدْ أعرف، هل أشتاقك، أم أحب نفسي كما كانت في
زمانك؟!
أأحنّ إليك، أم إلى وطن عشناه معا وكان إمكانية تعايش
عادل بين الطوائف... خطوة نحو المحبة أي حضارة إنسانية؟!
أما زلتُ أحبك حقاً ، أم أحبُ عبرك ذلك الحلم ، وتلك
الساعات الهاربة إلى المستحيل؟
قصف...قصف... تسعل الجبال ناراً وتبصق حمماً...
وترتجف جدران قلوبنا وتتهدم قبل ولوج الملجأ...
الذين صدّقناهم حين اقتطعوا لحمنا وقالوا قضيّة، جعلوا منا
مطيّة...
***
قصف... قصف...
فمن يعلّمني، كيف أزغرد في عرس قاتلي؟
وكيف أجفف بإسفنج الخوف،
دم المذابح، وأتغزل بالسكاكين المحدقة بي؟
من يعلّمني،
كيف أرحِّب بالمشانق في الديار، وأصفّق لقرار نفي
الأشجار؟
فلتسطعْ شمس الصدق المميتة فوق الحريق، ولتشهدْ على
روح تنصهر عشقاً لبردى وشط العرب والبحر الأحمر والأبيض
والنيل والبردوني من محيط القلق حتى محيط الظلمات..ز
ولتظل اللغة خادمة لإله الصدق لا لأرباب الحرب ودماها
وأُمراء الخراب...
***
أربعة عشر عاماً ولم يخجلوا... وهم يجلسون تحت
القرميد ويتشاجرون على حكم البيت بحجة إصلاحه.. وما
زال الشجار مستمراً رغم أن البيت تداعى بأكمله واحترق ولم يبقَ
ثمة ما يقتسمونه غير جمهورية الحزن والرماد والجثث التي ماتت
ولكنها لا تزال تركض بين الملجأ والمستشفى والمقبرة كالدمى
المتحركة...
أحفاد لعنة أوديب العربي، أولئك الحمقى الذين يتعاقبون
على قتل أبيهم منذ أربعة عشر عاماً، ما الذي سيفعلونه الآن وهو
يلفظ أنفاسه بين أيديهم الملوّثة بدمه؟
تباركت الذاكرة العنيدة كحمار:
أذكر أننا كنا ننادي في شوارع بيروت بفلسطين والحرية
والعروبة،
فصرنا لا ننادي اليوم بغير اللقمة والاستحمام والنوم ووقف
القصف... هكذا تقضي المؤامرة الشاسعة...
***
قصف...قصف...
أيها الهواء الذي يختنق مثلي، ساعدني...
أيتها النوافذ التي تتحطم فوق رأسي، ساعديني...
أيتها المرأة التي تلفظ أنفاسها عند عتبة الملجأ وتبدو لا مبالية
بشيء، ساعديني... كي أرضى بأن أموت مثلك ضحيةٌ، بلا
قضيّة، مجرد مطيّة...
قصف... قصف... وأنا في الملجأ أتظاهر بالنوم كي لا
يسألني أحد عن الساعة فأنفجر باكية...
أتابع سقوطي في تلك البئر كالريشة وأتأمل في الوقت ذاته
ارتطامي بالجدران...
قصف... قصف... متى ينجزون تدمير المدينة ويدعوننا
وشأننا؟
متى ينجزون سلخ جلدنا، واستئصال حناجرنا، وغسيل
ذاكرتنا كي نستعيد دمنا المختبئ في الخوابي، ونغادر علب
المعلّبات المعدنية التي انغلقت علينا منذ أربعة عشر عاماً؟
متى يترجّل البكاء عن أحصنة الارتجاف الأخرس وينام بسلام
على وسائد التنهُّد؟
قصف على الذاكرة... قصف... وكلنا مطيّة، فماذا كانت
القضية؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:11
حبك كادوك
أحببتك ذات يوم، طائر برق لم ينحن لغير الوردة، فكيف
آلفك اليوم، وأنت ترتع في سلاسلك الذهبية، وقفازاتك البيضاء
وخطبك الحماسية (الطبلية) المخاتلة، وتكتب خنوعك بأظافر
مطلية بالشعارات؟
كيف تركتَهم يسرقون من جناحيك الأفق والمدى والريح
والحلم ولا يتركون لك غير منقار للأكل والثرثرة؟
وكيف تركتُك زمناً طويلاً تعبث بمجاهلي. تضرم النيران في
شعري وأواراقي وشوارعي ومدني،
ولا أقول لك إلا سلمت يدك وأنت تعربد في دورتي الدموية
بجزمتك الحربية وتدمغ حروفي ببصمتك الصوتية؟...
مثل قرصان أرعن أحاول عبثاً مهاجمة سفن الماضي...
ونهب ذكرياتنا لأصدق أن ما كان قد كان حقاً...
فكيف أتعلّم اليوم حرفة التخلّي،
وأدع سفن الماضي تبحر بسلام في مياه اللامبالاة،
وأفهم أن الجدار الشفاف بين ما كان وما صار، مجرّة فراق؟
وكيف أقول لك بلا غصّات:
ما دام كل ما كان بيننا "كادوك"،
إذن حبك "كادوك"!
***
تذهب العاشقة إلى شواطئ المساء،
وحيدة مع أبجديتها، بلا متفرجين ولا مصفّقين...
هاربة بصوتها من مهرجان الضفادع البشرية وبطولات النقيق،
بلا أوسمة غير جرحها...
قليل من الصفاء، بعيداً عن مجالس الرياء،
ينعش الفؤاد الثري بالسكتات القلبية المتلاحقة...
فحزنها ليس أسهماً في بورصة النفاق...
ولن تبيع جرحها مقابل فضة الثرثرة.
تذهب العاشقة وحيدة إلى الذاكرة،
تستحيل دودة قز، تحيك خيوط النسيان الحريرية، وتتأمل
الشريط السينمائي للماضي بصمت داخل شرنقتها ثم تثقبها لتطير
من جديد مدجّجة بخيبتها الجديدة...
تشرع جناحيها وقد شبّت فيها النيران، وتحلّق بعدنا تعمدت
بالدم واللهب والخديعة، على طول جولات من القهر
المرفوض...
تكتشف رئتاها فرحة الأوكسجين خارج حجرات المؤامرات
الصغيرة والكبيرة، وهي تنتحب طيراناً وتعلن لنفسها: حبك
"كادوك".
***
عبثاً تخرّب بوصلتي الداخلية،
عبثاً تزرع في حقولي أشجار الحسّ بالذنب أو الحيرة.
ذات ربيع، أحببتك بجنون رائحة زهر الليمون في ليل
الشواطئ والمذابح.
تمنيت أن نواجه - متكاتفين - المسننات المعدنية الجبارة التي
تحاول أن تطحننا معاً.
ولكنك حاولت اغتيال عنفواني، وصار حبي لك يعني الإِصابة
بعمى الألوان، والتحوّل إلى دمية مطاطية تقول "سمعاً وطاعة"...
كان الحب، في عرفك، فعل طاعة بلا قناعة!
شعارك في الحب:
نفّذ ثم ناقش ، وقلْ "سمعاً وطاعة".
وها أنا أقول لك:
سمعاً وطاعة لرفضي لك.
سمعاً وطاعة يا نداء العصيان على إذلالك لي، على طول
زمن من الخيبات حين كنتُ شريكتك في الضراء لا السراء!
وها أنا أضرم النيران في تذكاراتنا، فلا يداهمني برد الفجر
الحزين.
أتدفأ بالمحرقة وأردد: حبك "كادوك"، يا من عرفانه بالجميل
مباهاة بغطرسته!
***
صرت غريبة عنك،
الغربة هي أن أفتش عن وجهك داخل ملصقاتك العتيقة في
الشوارع ولا أجده
الربة هي أن أفتش عن نبرتك داخل صوتك الميكرفوني،
عن روحك داخل جسدك المتورم،
وعن ضوئك داخل مصباحك الخابي،
وعن جمرك تحت أكداس رماد صدرك،
وعن نبضك تحت أثقال وزنك...
الغربة هي أن أسمع دقات قلبك
كما لو كانت قنبلة موقوتة ستطيح بي،
وأن يفارقني حسّ الأمان معك
فأتحول من ليلى العامرية إلى ماتا هاري،
في حكاية حب أضحت أقرب إلى المكيدة منها إلى الصفاء.
الغربة هي هجرتي إلى قاعي حين نلتقي،
اختبائي من صخبك الهوائي في مأوى أحزاني السرّية المائية
المعدنية المنصهرة.
الغربة هي موت الانسجام بين المقلاع والحجر والشجار بين
الينبوع والمطر.
الغربة هي انكسار الانسجام بين الطيران والريح، وها أنت
تطوي أجنحتك وخطبك الحماسية، وتنكبّ على فواتيرك.
وها أنا أتأمل القمر الحزين، وقد عرّته الغربة من ثيابه كلها
إلا من ضوء كبريائه، وهو يروح ويجيء على مدى دهور باحثاً
في الأبدية بين مدارات المنافي عما لا يدريه،
دون أن يخلع ضوء كبريائه.
الكتابة، هي أن أتعلم منه،
ويومها سأقول لك بصوت الرعد: حبك "كادوك" يا من
أحرق مدينتي وزمني...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:20
الأبدية لحظة صدق
- أيتها المرأة الحزينة،
ما الذي تفعلينه منتصف ليل السنة الجديدة؟
- أحمل المثقاب الكهربائي، واغرسه في الجدار،
أصنع ثقباً صغيراً لتعليق خارطة وطني على مسمار،
وبعدها أغرس المثقاب في ظلام الليل الصلد
حتى أثقبه ، فقد ألمح ضوءاً في الطرف الآخر...
- أيتها المرأة الحزينة، أما زلتِ تحبينني؟
- هذا العمر كله لا يكفيني لأقول كم أحبك ...
إنه أقصر من أن يتسع للرحلة معك
وأطول من أن نقضيه في الفراق...
- أيتها المرأة الحزينة، لماذا إذن هجرتني؟
- لأنك طالما اعتبرت تقديسي للحرية
مرضاً بحاجة إلى علاج...
ولأنك وضعت لنفسك هدفاً ثابتاً:
إن تبدّلني كي تحبني...
كنتَ تحب امرأة أخرى وهمية، وتحاول حشري في قالبها،
ماسحاً ملامحي النفسية بممحاة حبي لك...
***
- أيتها المرأة الحزينة، أراضية أنت الآن بحريتك؟
- من الذي سجن روحي في هذا الجسد المهترئ؟
لو استطعت أن أختار جسداً،
لاخترت جسد الأمواج الحرة،
التي تهرول كما يحلو لها في وضح الليل،
على رمل قارات الأسرار وتنحت مغاورها معلنة حقيقتها...
- أيتها المرأة الحزينة ، ألا هاجس لكِ غير الحرية؟
- وكل شيء يحاول سجني!...
حتى السطور على ورقتي البيضاء
التي أخط عليها الآن هذه الكلمات،
تبدو لي كقضبان السجن...
لهذا أحب الكتابة،
بين السطور وخلف الورقة على الريح...
- أيتها المرأة الحزينة، هل تعرفين نفسك؟
- أحدق في المرآة ، وأرى صورتي غريبة عني،
فأسألها: من أنتِ أيتها البومة؟
من هو ليلك؟ أي الرياح رياحك؟
أي الأوطان وطنك؟
لا تجيب...
لكنها تفتح باب المرآة، ولا تقول شيئا...
وتطير بعيداً...
***
- أيتها المرأة الحزينة، ما الذي تبقّى من حبنا!
- لم يبق من الدورة الدموية لحبنا،
غير الحبر في قلمي...
وها أنا أعيد صياغة حرائقنا، وأمزجتنا الموسمية،
وأبني قصور الأبجدية من رمادنا...
- دعينا نحاول من جديد...
- أعذرني.. ليس لي صبر الأمواج
لأقرع باب شطآنك دهوراً من الذل...
لي حرية الأمواج وفضولها...
وكالعصفور أمضي خلف الغصن المستحيل،
المرتسم داخل بحيرات الدهشة...
وكالعصفور، لا أحطّ على شرفتك إلا لأطير...
***
- أيتها المرأة الحزينة سعيدة أنت في باريس؟
- جيوب الغربة،
مليئة بالسكاكر الشهية والبالونات الملونة،
والمناديل الحريرية، والأرانب البيض،
ولكنها لا تصلح رشوة لمشردة مشاكسة مثلي،
محصّنة بشوقها إلى الوطن،
رافضة لقارئة الكف ونقر الدف...
- وبيروت؟
- حين أكتب عنها يصير الفضاء لحظة تنّهد...
بيروت؟ آه كيف يمشي البكاء في الشوارع...
والحزن مكواة تركض فوق الملامح،
وتمسح عنها التعابير الآدمية، كالابتسامة
والشوق واللهفة والحلم،
وتبدو وجوهنا جميعاً،
مثل قميص أبيض خاو في مصح عقلي،
خرج للتو من الغرفة المطاطية للقمع
بعدما استجوبه الجنون طويلاً...
في ليالي الانتحاب الأخرس.
***
- أيتها المرأة الحزينة، كيف ترين ما كان بيننا؟
- أحاول أن أتذكر التفاصيل، وأفشل،
قأقوم باختراع ماض جميل لنا خارج تناقضاتنا...
كيف أطيق أيامي بدونك وأخطو في نفق غدي
إذا لم أخترع لنا زمناً يليق بأسطورتنا؟
وثمة لحظات أرى فيها ما كان حقاً
في ومضة صدق مختزلة... فيدمع قلبي.
- وماذا ترين؟
- التقينا. حملتني. سوّرت أحد حقولك وزرعتني فيه
فزّاعة طيور تحت الثلج، ونسيتني شتاءات طويلة،
ثم سألتني ليلة رأس السنة: لماذا أنت شاحبة هكذا؟!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:30
الحب في بيروت
على ناصية الفرح البحري التقينا . كنتُ جبانة ، لا أمسك بغير
مظلتي.
معك اكتشفت ملذّات المطر الربيعي ، حين تتحوّل رئة
الفضاء حقولاً من الأزهار البرية وعطور الغابات ... وتهب
رائحتها من شعرك.
لعلّي ما زلتُ أحبك... فما زلتُ حين أطالع قصائدك،
أطلق شهقة الدهشة الأولى التي زقزقتُها يوم شاهدت البحر للمرة
الأولى .
أرحل في أجسادك عاصمةٌ بعد أخرى دونما "فيزا" ، وأتقدم
من مخافر قلبك بطلب إقامة دائمة في دورتك الدموية وأكتب
على إيقاع نبضك!
قلت لك بأنني أفتش عن الاستقرار،
فأقنعتني بالإقامة في غيمة فوق الروشة ، وأقتنعت!
أهذا هو الحب في بيروت ؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:35
ثملة بالربيع أم بحبك؟
حبك يشبه العودة إلى الطفولة.
من جديد تتحول علب الكبريت الفارغة إلى قطارات ،
وتبدو الفراشة فوق الوردة لغزاً ذهبياً ،
ويعود قوس القزح دروباً معبّدة بالبرتقالي والبنفسجي
والأزرق والأصفر في السماء.
من جديد يصير بوسعنا أن نشتري بطاقة سفر في طائرة ورقية
ملونة لتحلّق بنا إلى سماوات الدهشة وأكوان النشوة بأسرع من
"الكونكورد" و "البوينغ".
من جديد يعود العالم جديداً ، ونلتهم تفاح البراءة ، والأفعى
ساكتة والعمر لحظة خلود صغيرة...
من جديد نعيد الاعتبار إلى كلمة: "أحبك"... بعدما تلوثت
طويلاً ، ومضغوها كاللبان و "الشيكلتس"، وعهّروها وباعوها في
أسواق الرياء، وغطّوها بالأقنعة ورموا بها ليلاً في براميل القمامة
كأطفال الخطيئة.
حبك رئة الأوكسجين في كوكب ملوّث حتى موت الأرانب
البيض كلها...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:39
زحام
الحب ازدحام مكتظ
فأنا لم أعد وحيدة داخل جلدي،
ما دُمتَ تقيم تحته أيضاً ...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:42
جماليات الفراق
حبنا قوس قزح ، قال للشمس :
لا تشرقي كثيراً وإلا رحلت !
ولا تغيبي تماماً وإلا رحلت !
فأنا الحب الكبير،
يقتلني الوصال الكبير والفراق الكبير !
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:46
: تنصّت
هل تسمع مثلي
قهقهة الجثث في المقابر البيروتية ،
ساخرة من سباق الفئران على الجزرة الذهبية
في شوارع مدينتنا ؟
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:49
شبح في كورنيش المنارة
أجلس على المقعد الحجري فجراً ،
وأخطُّ لك رسائل الحب بريشة من جناح بومة أغمسها في
المحبرة الشاسعة أمامي الملقبة بالبحر.
أمد يدي لأصافحك وأنت على الضفة الأخرى في إفريقيا
وأشعر بدفء كفك وهو يحتوي أصابعي...
ما أجمل حكاية حبي مع شبحك !
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:52
براءة
لا تلم الرتيلاء،
لأنها تنسج من بيتها مكيدة...
لعلّها تدافع عن نفسها في زمن شعاره:
إمّا أنْ تأكل أو أنْ تُؤكل !
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 12:57
أشهد بفرح عرفته
متوحشة و حزينة
مثل درب جبلية تفضي الى البحر
تشتعل الغابات على طرفيها
و يهب رمادها على ريعان الموج البعيد ...
متوحشة و حزينة غادرتك ..
ولست مدينا لي
بغير فرح عرفته معك ...
***
مرصودة لحزن كبير ؟
لم أجهل هذا في أي يوم ...
سأذهب وحيدة الى الليل الأخير ؟
كنت دوما موقنة من ذلك ...
سأمضي الى البحر كأنني ساستحم
لكنني وحدي أعرف أنني ذاهبة الى القاع
لأبحر وحيدة في المياه المظلمة
وسأقفز اليها من منارة القارات
المتوجة بالأضواء ...
بينما الموت يراودني عن نفسي ...
واستسلم لحبه
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 13:04
ميليشياوي" متقاعد
أكره لطفك المزوّر كتهذيب طبيب نفساني، يسترق النظر إلى
ساعته ويتظاهر بالتعاطف مع تلك الحمقاء (التي هي أنا) المكومة
على أريكته وهي تفتح له "بقج" حياتها الرثة وصور أحزانها
القديمة البيروتية، وتفوح منها روائح حرائق الحروب...
أكره تلك القفازات الدانتيلية التي ترتديها على لسانك. فكل
ما فيك مصطنع ومدروس في مختبراتك للتجارب على الفئران
البشرية.
تقلّم نظراتك وتكسوها ببريق طلاء الأظافر، تجعّد أهدابك،
ولصوتك حفيف الشعر المستعار لقضاة منحرفين.
رغم يختك العاجي المطعّم بالذهب، ورغم مهرجان الكافيار
والشمبانيا واللطافات نصف السمجة التي طوقتني بها،
ما زلت أرى أسنانك المصقولة بدهان الأحذية وهو تومض
كالسكاكين حين تقترب مني لتحاول تقبيلي!
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 13:08
متعة الوحشة
سيدة الحكايا الأسطورية ،
وحيدة في قصرها الشاسع وقد طردت مهرّجي البلاط
والحاشية والخدم.
سيدة الحكايا الأسطورية،
يقتتل العشاق في باحة قصرها
وهي تحتضر في الظلام وحيدة خلف نافذتها في غُرف
الكبرياء...
FANTASTIC MOBIL
18-12-2007, 13:27
لبنان واحة الحرية
قال لي الغبار: لا تحزني،
ودعيني أخدّر لك جراحك بالفتور
قالت لي العنكبوت: اسمي النسيان،
دعيني أحيك خيوطي قرب نزقك
قال لي الرماد: ارتديني أعلّمك حرفة اللامبالاة
قالت لي القوارب: ارحلي معي إلى جزر آكلي اللوتس
قال لي الفرح: انتسبي إلى مدرسة الضحك،
وجرِّبي استبدال قلبك بوردة
هدرَتْ الذاكرة : حذار من التكرار
ولا تدعي حب لبنان يقتلك مرتين
همس القلب: أموت ألف مرة وأظلّ أحبه
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 08:02
بحر بيروت
أغطس في حبك
كمن يغطس في مياه عميقة مظلمة
مليئة بالأفاعي والعقارب والشرور والنفايات ،
وأخرج من بحرك
مغسولة بالضوء !
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 08:09
ما زال حبك عيدي
أمسك بي الشتاء البيروتي من يدي، وقادني بنفسه إلى مدينة
الربيع.
وضعت أذني على فم الوردة وسمعتها تهمس لي: اعشقي
من جديد...
فمن أنا حتى أناكد الوردة؟
فقط حينما أحببت، اكتشفت ذلك السلم السري،
الذي يصعد عليه الفرح من قلبي إلى السماء
فيدعونه قمراً.
وسط كونٍ من الموت والغياب، أعيش حبك
وأشعر للمرة الأولى، أن ما يموت ليس عمرنا
بل الموت!
*************************
جرثومة السفر
"على قلقٍ كأن الريح تحتي".
واقعة في قبضة الغيم، في قبضة زنزانة الفضاء حيث تتقاطع
المصائر.
اتكئ على المطر مستسلمةً لشهوات اللا جسد. لا شفاء لي
من القطارات والمطارات والفنادق على أطراف البحيرات
والغابات، والمرايا التي أرى فيها وجهي لمرة واحدة وأرحل
متكة على المطر.
الجسد سلحفاة والرغبات أرنب. الرحيل يجعل السلحفاة
أرنباً، يهديها أجنحة فتذوق المتع "النورسية".
لا شفاء لي من لواعج التشرّد.
خرائط تعبر روحي وتعيد كتابة خارطة أعماقي، وبصلات
تركض في دورتي الدموية على هدي مؤشراتها.
"اغتربْ تتجدّدْ". رحلت لصيد الرعشات. اكتشفت أن قمة
الجبل هي قاع السماء، والحقيقة تتبدل تبعاً لـ "موقع النظر".
ولكن، أياً كانت الشواطئ المدارية والقطبية التي يعمّدني
رذاذ أمواجها،
أعرف أنني سأظل أبداً أمشي على شاطئ الروشة ذهاباً وإياباً
كشبح لا يراه بعد منتصف الليل إلا الشعراء والعشّاق والسكارى
والمجانين والأطفال...
يا أشجار النخيل قرب مسبح الجامعة الأميركية: ارفقي
بشبحي المقيم عندك...
أيها الصبي الذي يطاردني على الروشة ليبيعني زهرة غاردينيا،
أخشى أن أشتريها منك، وأستيقظ في سريري في باريس،
فأجدها تزيّن شعري.
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 08:19
البيارتة
جئناهم ضيوفاً ثقلاء، فرحبّوا بنا. تغزّلوا بسماجتنا وصفقوا
لهرائنا وقالوا لنا: صدر البيت لكم والعتبة لنا، فصدّقناهم!
هدمنا البيت لأنه لم يعجبنا،
وكتبنا القصائد في مديح الخراب الجميل،
وقطعنا تحتنا غصن الشجرة الذي آوانا من الذئاب...
صفّقنا للمليشيات، وصفّقنا لموتها،
وبكيناها بدموع التماسيح المرهفة!...
ومازلنا نصفق للطغاة، ونتباكى على الحرية،
وبيروت تبكي منا وعلينا...
*****************************
توليب أمستردام
في مقهى "فان غوغ" على ضفة القنال التقينا.
مددتَ يدك وشققتَ صدري
بأظافرك الموسخة بأصباغ اللوحات،
وتناولت قلبي ورميت به إلى القطط لتلتهمه،
وتركتَ لي مكانه زهرة توليب حمراء...
وقلت لي: ذوقي الحياة الآن!
*****************************
زلازل القلب في لبنان
أتذكر بحنين،
اشتعال زجاج المباني بالغروب المتورد على الشواطئ
والانصهار المسائي لمباني الأسمنت على حانات الضياء وحافات
الغيوم الرمادية الفسفورية...
بيروت،
ما أجمل أن أُلدغ مرتين من جُحر حبك!
*****************************
حب الرجل المستحيل
شاهدت سنونوة تعيش حكاية حب مع الشتاء
شاهدت أميرة تُقبّل ضفدعاً فتصير مثله
شاهدت زرافات ترقص التانغو
شاهدت فقمة ترتدي جلداً بشرياً فوق فرائها
شاهدت حصاناً يركب رجلاً في السباق
شاهدت قرداً يقوم بترقيص سائح
شاهدت نموراً في حديقة الحيوانات تلعق قضبانها بود
شاهدت عصفوراً يطير وقد حمل قفصه بمنقاره
شاهدت حلزوناً غادر قوقعته يتنزّه تحت الشمس
شاهدت أسماكاً ترتدي أقنعة الأوكسجين جالسة في المقهى
شاهدت طيور البطريق بثياب السهرة "السموكن"
وسنجاباً ضايقه الحر يحرك مروحة الدانتيل أمام وجهه...
هل تجد ذلك كله غريباً؟
وهل هو أكثر غرابة من أن أحب رجلاً مستحيلاً مثلك؟
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 08:34
منتصف الليل جزيرة مقفرة
التقيت بالغول في باريس.
تسكّعنا بعد منتصف الليل.
أقسم لي إنه يحب العصافير والأطفال والنجوم والغيتار،
ولم يأكل مرة طفلاً كما تدّعي الأمهات لتخويف الصغار.
وبكى لأنهم يهربون إلى الرصيف الآخر حين يمرّ...
التقيت بالعنقاء في باريس.
تسكّعنا بعد منتصف الليل.
قالت إنها لم تخرج حقاً من رمادها،
لأنها لم تحترق أصلاً،
ولم تجد بعد حباً يشعلها..
ودّعت الغول والعنقاء، وبحثت عن الخلّ الوفي...
ومازلت أتسكع طويلاً بعد منتصف الليل
بحثاً عنه،
وما زال منتصف الليل جزيرة مقفرة.
**************************
الحب و الموضوعية
حينما نلتقي، تبدو لي الأسماك الملونة
فراشات مائية تطير في فضائها البحري.
وحين نفترق ، تبدو لي السردينة
سمكة قرشة.
أنا لا أسافر حقاً إلا داخل ذكرياتنا.
أنا لا أقيم حقاً إلا في عينيك!
***************************
الحب الدمشقي
ها أنا أغادر قطار المكابرة وأعترف: لعلّي أحبك!
عبر صلتنا اكتشفت كيف تستطيع مياه الشلالات
أن تصعد ثانية إلى نبعها،
وكيف تبني الطيور أعشاشها على الغصن ذاته مرتين،
وكيف ترجع الزهرة الذابلة في إنائها برعماً في الحقل،
وكيف تتسلل قطرة العطر من زجاجتها الكريستالية
إلى الدورة الدموية لوردتها الأم...
وكيف تنهض الأوراق اليابسة على الأرض،
لتغطي بخضرتها الربيعية الأغصان، وكيف يتأجج الرماد
جمراً...
معك تأملت الرمل الأزرق في ساعتي الرملية
وهو يسقط من الأسفل إلى الأعلى...
معك اكتشفت كيف يغادر القلب
الحديقة الزجاجية للنباتات ليصير غابة مدارية..
معك أدركت أنه "ما الحب إلا للحبيب الأخير"،
وبك اكتشفت أن الربيع لا يأتي إلا إكراماً لسنونوة واحدة!
*******************
لماذا تكره كلمة لماذا؟
لماذا استبدلت رشاشك بآلة حاسبة في مكتب مقاولاتك؟
لماذا حين تقبّلني، تفوح منك رائحة أدوية التحنيط الجثثية؟
لماذا لأنفاسك لسعة صقيع مزرق؟
لقد كنتُ دائماً مخلوقة فضولية، تتجسّس على حبها. ترصد
سعاله ونبضه وإيقاع قلبه وتحلّل دمه "الايديولوجي". فلماذا لم
أعد أسمع من حناجرك غير عواء ذئاب نهمة في عراء التاريخ؟
ولماذا يطير البعوض من عينيك الآسنتين؟
لماذا تريد أن أقدّسك سواء أحببتك أم لا ؟
لماذا تحقد على جناحيّ وتحاول إقناعي بقصّهما إكراماً
لمقولات الكبت الصفراء؟
لماذا تحقد على لقمان الحكيم؟
لماذا حبك أسوأ من الكراهية؟
لماذا تعشق النار وتكره الضوء؟
لماذا شاءت لي أقداري أن أولد تحت خيمتك؟
ولماذا تكره كلمة لماذا؟
*************************
الغدر الجميل البحري
ضمّني حبك إلى صدره وانتحب على كتفي.
وحين كدت أصدّقه أغمد خنجره في صدري وهو يبتسم
ابتسامة عذبة!
يا حبيبي القاسي، الذي يقتل أنبياءه ويمجّد جلاديه،
ها أنا أغلق باب الذاكرة، وأرمي بالمفتاح حتى قاع البحر
لأبدأ حباً جديداً مع قارة أخرى...
حب جديد؟ هل ثمة حقاً شيء كهذا،
لامرأة تخبئ زلازلها في شرايينها، وتهجر أحبّاءها لتراقص
أشباحها القدامى بمرح حتى مطلع الفجر؟
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 08:42
أحبك يا بيروت
رغم كل شيء،
رغم أنني رحلت ثلاث مرات حول كوكبنا،
وبدّلت حيواتي ثلاث مرات،
لكنني ما زلت حتى اليوم،
أجفف البنفسج والياسمين
بين أوراق خرائطك وصورك وتذكاراتك، حين تغنّي فيروز
بذلك الصوت العذب الهشّ الصلب المجرّح بالحنين: "بَعْدك
على بالي"،
وتنمو المدينة في ذاكرتي جرحاً
لا أريد أن أشفى منه، فمرضي هو علاجي!
*************************
متمردة إلى الأبد يا بيروت
متمردة أنا على الميكروفونات وسوط مروّض السيرك..
متمردة على الأسنان الاصطناعية في أفواه تعلك الماضي
كاللبان.
متمردة على قضبان الأقفاص، ذهبية كانت أم بلاستيكية أو
ملفوفة بالأزهار أو المناشير أو مكهربة بالجليد.
متمردة أنا على لطف مصطنع أثقل من الكراهية ومجاملات
تكريمية لزجة.
متمردة على القفازات البيض في سهرات المصافحات
السكاكينية.
متمردة على ديكتاتور يلبس عمامة المعارضة، وجلاد يحاضر
عن الحرية وينتظر فرصته لاغتيالها خلسةً.
متمردة على الذين يبشّرون بالمحبة والعدل والدماء تسيل من
كعوب جزماتهم.
متمردة على نجوم السيرك الشاسع الممتد من الماء إلى
الماء، عاجزةٌ عن المشاركة في "البازار" الكبير وعاجزةٌ عن
نسيانه.
متمردة على لسانك الذي تطبخه وتطعمه لجلادك وتريد مني
رش البهارات عليه وتزويقه في صحن من ذهب.
تعبت من احتفالاتك التكريمية لذاتك وانتحاراتك الطقوسية.
حبك تمارين على الاحتضار،
وعبثاً أخترق طوق زحامك، تائهةً كقط في مهرجان.
وعبثاً أقول لك إنني لم أعد أحبك، فأنتَ لا تبصرني حين
تراني ولا تسمعني حين أخاطبك ولم تعد تسمع غير صوتك.
تائهة وعبثاً تقيني مظلات العالم أمطار حزني بك. فقد مات
حبنا بجرعة كبيرة من الرماد.
****************
مناضل دهاليزي
أريد أن أنسى كيف اشتعلتُ بحبي البريء لك وراقصتُك على
شطآن بيروت،
وكنت تحضِّر الفخاخ تحت أقدامي وتزنّر بيتي بالمتفجرات
وتهيل الرمل في حنجرتي وتوظف أبجديتي في بورصة
عنترياتك.
أريد أن أنسى.
رعشتي الطفلة أمام أكاذيبك الجميلة المرصّعة بالأشعار
والأقوال المأثورة والحكايا التاريخية وديوان الحماسة...
تاريخي مع جرحي بك طويل،
أعيه في اللاوعي،
ولا أستطيع البرهان عليه للكومبيوتر أو محاكم التفتيش.
معك كنت أجمع دمي وذكرياتي، لا أدلّتي...
معك كنت أسفح عسلي، وأنا أحصي لدغاتك على بشرة
روحي المستباحة...
معك، الذاكرة طعنة خنجر مسموم في الظلام بين العينين.
***********************
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 08:47
بطاقة من بحيرة كونستانس
شاهدتُ السيدة المسنّة تدخل الفندق النائي ليلاً
في أحضان "الغابة السوداء" برفقة الشاب الصغير.
عند الفجر غادرا الفندق،
كانت السيدة متوهجة بالصبا
وكان الشاب قد أضحى مسنّاً !
*****************
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 08:51
بطاقة بريدية من سان فرنسيسكو
رجل نورس، وامرأة من زئبق
أنجبا الفراق
على رصيف لميناء رقم 18 ...
مرعب هو المد والجزر في البحار المظلمة للروح،
حين يسقط القلب إلى القاع
مثل شاهدة رخامية لقبر ثقيل،
تبتلعها عتمة الأمواج.
كان حبك منارة في جزيرة "ألكاتراز"
لا تشير إلى المرفأ الأمين،
بل إلى القاع!
معك، العمر بطاقة بريدية ولكن بالبريد غير المضمون.
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 09:17
رسالة الدكتور جيكل والمستر هايد
أيها الغرباء، الذين يبدأون عاماً جديداً بعيداً عن الأوطان أياً
كانت الأسباب، بعيداً عن أصدقاء الطفولة والصبا، بعيداً عن
البيت العتيق الأليف اللامنسي، بجذور عارية ترتجف برداً في
شوارع الغربة المثلجة...
أيها الغرباء الذين يستقبلون سنة جديدة بالغصّة السرّية مثل
فراشات معلقة بالدبابيس على جدران الوحشة،
أينما كنتم،
تذكّروا أن شرياني المفتوح على الورقة الملقب بالكتابة هو
منكم ومعكم،
تذكّروا أنني أشاطركم ذلك الدمع العصي،
تلك الأصوات الخافتة عند منتصف الليل،
وانشطار الروح إلى شخصيتين، واحدة تتابع سهرتها في
الغرب، وأخرى تمشي في شوارع الذاكرة وبيروت قرى الحنين
كأي دكتور جيكل ومستر هايد حاضر في المكانين معاً.
يرقص التشارلستون في نيويورك والدبكة في لبنان... ويسبح
في نهرين في آن!
أيها الغريب،
تذكّر أنني أشاطرك نزف القلب خلف ابتسامات الكبرياء،
أشمّ راحة غليون التجلد وأنت تدخن ما تتوهم، أستحمُ معك تحت
شلال التوق المستحيل، وأضمّك إلى قلب أبجديتي بدفء
المحبة كطفلين في ميتم كوكب الأرض يتدفأ كل منهما بالآخر
في كهف الصقيع والمجهول.
ها أنا أركض في ممشى قطار منتصف الليل الماطر (عكس
اتجاهه) وأحاول أن أجفف عن وجهك قطرات المطر ، أم تراه
دمعك؟
ميلاد مجيد أيها الرجل الوحيد وسنة جديدة قدر الإمكان!
أعرف أنها تمطر سراً بين قميصك وعنقك، وبين جلدك
وعظامك.
أعرف أنك ترمم أزمنة مهلهلة في الوطن وتنسب إليها فضائل
لم تكن لها كلها...
أعرف ذلك لأنني مثلك.. والأيام تحفر في أعماقنا بئراً
سرية نهبط باستمرار إلى قاعها،
نختبئ في الظلمة لنهذي بالعربية ونحن نرقص "الروك"
ونرطن بالإنكليزية!
**************************************
بيروت وعنكبوت الحنين
عبثاً تبعث أشواقي إليك من قبورها الرخامية.
تنسى أن حبي لك ليس قطعة "هامبرغر" مثلجة تدفنها في
برادات أمزجتك طوال عصور ثم تدخلها في فرن "الميكروويف"
لنزواتك، لتعود صالحة للاستهلاك حين يحلو لك...
لا يكفي أن تصنع لي فراشاً من أعشاب البحر والبامبو لتتمدد
أحزاني سبيّة تحت أصابعك الزئبقية المراوغة...
لم يعد بوسع عنكبوت الحنين أن يحيك بخيوطه حول
جرحي ، ويقودني إليك.
النواع الملحاح لمطرك على نوافذ قلبي، سيجفّ حين يطلع
الفجر.
لم يعد بوسعي أن أطيق عالمك. حيث التجشؤ هو الغناء
الوحيد المباح. والسعال إعلان عن قدومك وصحبك، لأختبئ
داخل علبتي المبطنة بالنفتالين والعفن، وأترك لكم الشمس وأنهار
العسل واللبن وأشجار الحور.
لماذا لجسدك تأشيرة سفر إلى الموج،
ولي تأشيرة إلى الظلام داخل علبة سرديني؟
لماذا حصتك أربع ورود، وحصتي أشواكها؟
لماذا ليدك القوس والوتر والسهم، والتصفيق لك وحده لي؟
لماذا لك الفضاء ولي القفص، وأجنحتي لا تقلّ طولاً
ومراساً بأسرار العواصف من أجنحتك؟
ولماذا تركتُ عناكب الحنين تجرّني إليك مرات من قبل؟
لم أطق يوماً دنياك، لكنني أحببتك ذات مرة من أول لسعة،
وكنت كمن يعزف ألحان شوبان لضفادع المستنقع على بيانو
أحزانه.
قلبي عبوة موقوتة، لا أدري متى تنفجر وتطيح بي...
مأساتي أنني لا أعرف موعد انفجارها، وعبثاً أتواصل مع من
ضبط ساعتها على لحظة الانفجار المحتوم...
***************************
اشهد بطوابع البريد
اتمزق شوقا الى سماع صوتك ...
الان
لا قبل عشر دقائق
و ربما ليس بعد ...
***
تطلع اليّ من أعماقي
مثل بركان عبثاً أطمر فوهته
و أسترها بالطحالب و الابتسامات
و طوابع البريد ...!!
***
توهمتني أحب باريس
ربما لأنني التقيتكما معاً ...
و الان و قد فقدتك
تجثم باريس على صدري
حجر قبر ...
أضواؤها و مسارحها و زينتها الساطعة
تتدلى
مثل مصباح مكسور فوق جبيني ....!!
******************************
يوميات راسبة في حبك...
أحاول أن أتقن علم الكيمياء لأفهم ما كان يحدث لي حين
نلتقي مصادفة في شوارع بيروت وتشطرني نظراتك مثل "ذرّة
مسكينة!
أحاول أن أتقن علم الفيزياء، لأفهم صواعق مكهربة
تركض في دمي حين تعانق يدك يدي تحت قناع المصافحة.
أحاول أن أتقن "الهندسة الفراغية" كي لا أضلّ الطريق في
فضاءات أكوانك العاطفية اللامتناهية.
أحاول أن أتقن علم الفلك لأقرأ مدارات كواكب عينيك.
أحاول أن أتقن درس الحساب لأتعلم "الجمع" بيني وبينك
و "الضرب" عرض الحائط بكل من يريد "قسمة" حبنا.
أحاول أن أكتشف جدول "لوغاريتمات" مزاجك كي لا
أخطئ مع جرحك.
أحاول أن أتقن علم الجغرافيا لأعي حدود قاراتك
ومحيطاتك.
أحاول أن أتقن علم التاريخ كي لا يعيد نفسه معنا بقصص
الحب القديمة الخاسرة.
أحاول أن... وأفشل دائماً.
******************************************
الحب البيروتي
أحبك لأنك مغرور ومتوجع ومهان
تبكي كل ليلة على كتف زياد الرحباني،
بينما ينتحب هو سراً ويروي لك النكات...
أحبك لأنك مكسور، وكل من أحببتَه داسك
وصعد على جسدك إلى مجده الهزلي.
أحبك لأنك عصفور في عاصفة، تتأجج حياة سرية
كالكهول ، وتذوي بصمت كالورود.
أحبك لأنك ما زلت مقيماً في حرائق الذاكرة تغنّي كل ليلة
حتى الرمق الأخير للبكاء ولأمواج البحر...
أحبك لأنك تخاف من الذباب والخفّاش والزواج والفئران
والثراء والنساء، وتكره المال الحرام والبطر وتحنّ لصوت
الضفادع، ولا تجرؤ على النوم إلا بعد أن تنام عصافيرك
وورودك، وتستخدم سماعة هاتفك كمنفضة سجار وهاجسك
التلوّث البشري...
تجلس وحيداً على آخر طاولة في آخر مقهى آخر الليل آخر
العالم والسكين تزداد غوصاً في صدرك وأنت تبتسم وتكتب
أحزانك وتتندر على الميليشاوي الذي احتلّ بيتك ذات مرة معلناً
عداوته للفراشات والبوم، وصار يتدرب على دقة الإصابة
بالرصاص، متخذاً من كتبك أهدافاً، وأطلق نيران رشاشه على
"عصافير الحب" عندك لأنه وجد تغريدها كصوت الصراصير...
أحبك لأنك تكتب بالحبر الأبيض !!
***********************************
قبعة نسيت رأسها
تزورني مثل قبعة نسيت رأسها في مقهى ما فوق معطف ما،
أرحب بك مثل نورس يخطّ آثار جناحيه على شاطئ ما،
ويحرص على محوها في آن...
هكذا تمضي خطى حبنا، في المنطقة الرمادية،
حقيقية ووهمية،
كالمرئيات عبر نافذة قطار مسرع،
منزلق داخل حلم، سكّته الحديدية من ضباب...
وحين تمسك بيدي،
أشعر بأصابعك تتسرب من قبضتي كالرمال يا رجلاً من
غيم... فهلا أمطرت؟
**********************************
نملتان
أتمدد على العشب وأنشب جذوري في التراب تحتي...
أتأمل نملة تتسلّقني ثم ثقف مذعورة فوق قمة أنفي وهي
تتأملني وتقول لنفسها: يا لتلك العملاقة!
يتأملني القاتل المختبئ في الدغل ويقول عني: يا لتلك
النملة... يا لها من صيد هزيل!
**********************
دمشق
أعرف أنني مهما ركبت من طائرات وقطعت من محيطات
ورقصت بين القارات، ما زلت أتسكع في الزقاق الشامي الذي
ولدتُ فيه جيئةً وذهاباً منذ طفولتي وحتى أموت...
ومهما اغتسلت في مياه التايمز والدانوب والسين
والميسيسيبي والراين، لا تزال مياه بردى تبللني وحدها ولا
تجف عني.
أعرف أنني أينما كنت، ما زلت في بيتي الدمشقي تحت ظل
عينيك يا حبيبي الوحيد، يا زين الشباب، يا قاسيون الأبد...
***************************
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 09:20
أوهام
كنت اظن القمر يقطن في أعالي السماء. حتى اكتشفت ليلة
نزهتنا في "كورنيش المنارة" أنه يقطن في عينيك.
ليلتها حلّقتُ على ارتفاع ثلاثين ألف قدم.. تحت جلدك!
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 09:26
وداع بيروت المسافرة
هل عليّ أن أقول وداعاً لبيروت التي استقلت مراكبها وها
هي تمضي؟
وبأية مناديل ملونة ألوّح لها؟
وهل تليق بلحظة الوداع تلك غير أصابع البرق على عرض
السماء وطولها؟
**************************
الموت الشهي
كل ليلة، أحلم بأن بيروت
تقف فوق صخرة الانتحار في الروشة
وتقفز في ظلام منتصف الليل إلى البحر لتموت...
وكل ليلة، أستيقظ من كابوسي والدموع تغطي وجهي،
وأهرول إلى الشاطئ لأودعها، فتمزّق لي بطاقة سفري
وتجرّني معها إلى القاع..
الموت شهي في بيروت،
ربما أكثر من الحياة في أي مكان آخر!
***************************
رسالة من عينين عاريتين
في عينيك متسع للموت والحب...
فهل تسمح لضالّة في براريك مثلي،
بأن تغلق باب جفونك خلفها،
لتختلي قليلاً بموتها؟
الأشياء كلها التي أحبها ليست لي ...
البحر ليس لي،
يأخذني بين ذراعيه كصدفة صغيرة،
يدلّلني ، ثم يلفظني
على الشواطئ لشمسٍ تقدّدني...
الخريف ليس لي،
ترقص حولي أوراقه الملوّنه كالفراشات
لتتزوج من التراب،
وشهواتي تفوح حولها كالغبار المضيء...
حُبك ليس لي،
صهيلك عابر سبيل في مغاوري...
وحده جرحي لي:
شارع يقودني إلى موتي الجميل بوباء الذاكرة...
***************************
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 09:34
خلاخيل شامية
دوماً يأتيني صوته كصرخة استغاثة من قارة أخرى: تعالي.
دوماً يناديني أميري سلمان فجأة...
ودوماً ألّي. أعرف أنني سأغادر أوروبا إليه في أميركا لنحلم
معاً بآسيا، مبللين بدموعنا منذ لحظة اللقاء في مطار كنيدي-
نيويورك، حيث نتكاتف مثل عصفورين لم تعوّضهما عن عشهما
الأم في دمشق غابات العالم.
كنت قد وضبت في منفاي الباريسي الاختياري "عدة الحماقة"
الملونة كلها لسهرة رأس السنة كجزء من مجاملتي لوعائي
الاجتماعي!
من القارة الأخرى إلى باريس جاءني صوته يرطن بالانكليزية
بعدما كاد ينسى العربية: اركبي أول "كونكورد" وتعالي. بطاقة
السفر في انتظارك عند شركة الطيران!
وأطير إليه أسابق الزمن بالمعنى الحرفي للكلمة! لقد اخترعوا
الكونكورد ولم يخترعوا بعد النسيان!!
ما زلت أراه في أحلامي طفلاً في دمشق، بالرغم من أن
أميري سلمان صار يُشبه صور عنترة بن شدّاد في رسوم أبي
صبحي التيناوي ورفيق شرف.
ما زلت أمشط شعره الأسود الجميل في أحلامي، وأسرق له
دماه الصبيانية، فيركض خلفي في دهاليز الذاكرة لانتزاعها من
اخته المشاكسة التي تكره الدمى الخاصة بالبنات، ويطلق عليّ
اسم: "حسن صبي"!
***
لماذا يستدعيني أميري الدمشقي سلمان فجأة بين وقت وآخر؟
ربما لأن "العرب هم شعب الذاكرة بامتياز". ولعله يشعر
أحياناً أن اسم "سام" كما ينادونه هناك ليس حقاً اسمه، ويشبه
قميصاً خشناً أقسر نفسه على ارتدائه منذ ربع قرن!
وربما كان يشتاق للثرثرة بلغته الأم نصف المنسيّة، وبتلك
التعابير الشامية الخاصة التي كنا نتبادلها طفلين بدءاً بكلمات
العذوبة البريئة وانتهاء بشتائم لحظات الشجار على الدمى القروية
في عطلة الصيف في بلودان والشامية من سحالي وضفادع وبوم
وأفاعٍ وأرانب وأراجيح.
في المطار، لم يقل لي إنه مشتاق للحوار معي عن
امبراطورية الياسمين حيث نتذكر معاً ذلك الوطن الغالي اللامنسي
بيتاً بيتاً وجهاً وجهاً جرحاً جرحاً شوقاً، شوقاًُ، ولم يكن بحاجة
إلى أن يقول لي ذلك كله...
كان الصمت يشدّنا دائماً أكثر من الحوار.
لم أطرح عليه أسئلة حمقاء من نمط: لماذا لا تعود؟ كان نهر
الزمن قد تدفق على مدى ربع قرن منذ رحيله، فمن يستطيع أن
يسبح تلك السنوات الضوئية للفراق إلى الجهة المعاكسة؟
***
جالسان في الدور الأخير من ناطحة السحاب في مانهاتن -
نيويورك حيث أحد مكاتبه. يسألني عن أصدقاء طفولته فرداً
فرداً. أخترع لأعمارهم حكايا حلوة، وهو يعرف أنني أكذب
ويستمتع بكذبي. من يجرؤ على تخريب الخاتمة السعيدة لحكايا
الأطفال؟
يحدّق في مطر الليل كأنه يراهم في المدة الخفي، وعبر
النافذة تبدو نيويورك كما من طائرة تتأهب للهبوط لكنها تظلّ
معلّقة كدمعة تجهل فنون الانتحاب.
نتبادل أنخاب الذكريات أكواباً من الدمع السرّي... وتدور
"آلة الزمن" بنا، وها نحن نسبح معاً في نهر بردى عفريتين
صغيرين، كأنه لم يصبح أباً لثلاثة أولاد بريطانيين - أميركيين ولم
يتحول إلى دماغ علمي مهاجر مرشّح لجائزة نوبل.
عاد كما أراه في أحلامي كلها، طفلاً يشاركني سرقة بغل
الجار لنركض به في البساتين ونسرق التفاح والمشمش! أقول له:
أتذكر يوم عات جدتنا من الحجّ، وقد حملت لنا معها قارورة
من ماء زمزم، وخصّتني بجرعة... فركضت على حناء يديها
مهرة فرح.
يقول أميري سلمان: أتذكر حصرماً ما رأيته في حلب. ذقته
خلسة وكان شهياً واستثنائي الطعم، أشهى من العنب الناضج
الشائع...
أتذكّر، حين كنت أنام باكراً مرغماً قبل الامتحانات، فأشعر
أنني ارتكبت إثماً في حق الليل والنجوم... وستعاقبني الحياة
بالسجن المؤبد داخل النوم مع الكوابيس الشاقة.
كنت حزيناً ، كجناح نسر ممنوع من التحليق، وها أنا حزين
كنسر طار أكثر مما ينبغي في دروب الهجرة!
***
اتكئ على الليل، واكتب باصبعي اسم دمشق على نافذة
الدور السبعين في مانهاتن،
فتهبّ في الغرفة رائحة الياسمين كروح غالية تمّ
استدعاؤها...
أحدّق في أضواء نيويورك، لكنني أرى مدينة تتدثر بعبيرها
الخرافي اسمها دمشق، تمتشق أنهارها سيوفاً من الخصب،
تحاصرها الأشجار كوكبةً من الشعراء.
يهذي ليل مانهاتن بأبجدية الحنان بين الغوطة وقاسيون الذي
أتسلّقه وشقيقي سلمان وقد عدنا طفلين يتسابقان بين "قبة السيّار
و "جبل الأربعين" حتى يهبط الليل على دمشق.
أكانت تلك نجوم سمائها، أم بصمات أصابع عشاقها على
سقف ذاكرتها الشاسعة - بعدما رحلوا - وخلّفوا انفجارات القلب
الضوئية في لحظات غابرة لا منسية؟
نغادر ناطحة السحاب.
يهمس قلبي والسيارة تركض بنا في شوارع نيويورك بين
صفارات سيارات البوليس وأبخرة الجحيم من شقوق أسفلتها:
قولوا لسوريا إنني قطفت لها من كل غربة وردة...
توليب هولندا، واوركيد سنغافورة، وزنابق الشمال لم تنسني
يوماً،
عريشة الياسمين على شرفتي العتيقة، وبحار شقائق النعمان
مجنونة الحمرة في حقول غوطة دمشق...
حانات الدنيا كلها لم تمسح عن قلبي بصمات "ديك الجن"
في نبع العاصي، العاصي مثلي!
قولوا لدمشق إنها لا تزال تتدلى من عنقي كمفتاح الكنز...
عن أشجار الأبجدية قطفت لعينيها لآلئ الجنون هدية
عشق... ولم أتعب!
عبثاً نصدّق أن ذكريات الماضي التي نترنم بها ونحن في
الدرب إلى بيته المعلّق على سطح ناطحة سحاب أخرى لا تتابع
حياتها المستقلة بطفلَيْ الزمن الغابر كما كانا تماماً منذ ألف عام،
والمدينة على حالها وناسها على حالهم!... وأن تلك الوجوه
التي نستعرضها حيّة على شاشاتنا الروحية صارت غباراً مضيئاً في
فضاءات الزمن...
عبثاً نصدق أن غزلان الماضي الراكضة في دورتنا الدموية
أضغاث أحلام.
عبثاً تعلّمنا العناكب درس حياكة أكفان النسيان، ويلقننا الصدأ
رقصته على صناديق القلب.
فجأة تبدو حقائق عمرنا الراهن أكاذيب،
وتلك الذكريات الطفولية الضبابية حقيقتنا الصلبة الوحيدة!
***
تنهض الذاكرة من موتها الموهوم، ونُنشد معاً بما يُشبه
الهمس أغنية طفولية كنا ندمدم بها ليلاً حين يجافينا النوم ريثما
نغفو: "ماروشكا... في الغاب الحزين... هلا تسمعين...
أجراس الحنين"...
ننشدها معاً في وجه الليل النيويوركي والغربة الكونية وثقب
الأوزون والإيدز و "الكريديت كاردز" ودهاليز المطارات
والمجاعات والحروب والأحزان والكلاب المرفهة والتلقيح
الإصطناعي والكوارث النووية وبقية مفردات أحزان كنا
نجهلها...
ننشد أغنية البراءة كتعويذة، أو كجزء من طقوس الغربة التي
نمارسها عاماً بعد آخر لنستعيد ذاتاً مستلبة.
من يصدق أنني قطعت آلاف الأميال لأغنّي مع شقيقي وأمير
ذكرياتي سلمان أغنية طفولية بريئة ليلة رأس السنة؟
كثيرون سيصدّقون! كثيرون يطيرون مثلي في هذه اللحظة
آلاف الأميال إلى حيث يلتقون بزمن القلب في الوطن اللا منسي.
يرن هاتف السيارة... زوجته تزجرنا لأننا تأخرنا عن
السهرة، وأولاد أميري الشامي سلمان يزقزقون معها باللغات كلها
باستثناء العربية. أسأله ماذا حمل لابنتيه هدية السنة الجديدة؟
أميري سلمان ينسى أن اسمه صار "سام"، ويقول لي بصوت
جدي الشامي العتيق وبقية أجدادي: خلاخيل شامية!!
________
نيويورك 1 / 1 / 1993
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 09:43
هواجس في قارب الرحيل
تحت مظلة فقدان الذاكرة...
عبثاً أخدر وجع الروح،
بابرة ضوء الشمس في العروق...
عبثاً ترفع مياهي الأقليمية رايات النعاس...
ويصدح قلبي بنشيد النسيان، وأنا أسدّ أذنيَّ بأصابعي
واحشوهما بالرمل كي لا تحمل لي الرياح أصوات ما يدور
هناك... كأنني لا أريد حقاً أن أنسى ، لكنني أزني مع النسيان
من وقت إلى آخر... كأنني مصمّمة على الاستمرار في درب
الحلم والدهشة...
كأية مجنونة مثالية سأظل أحلم بتلك التلال البيروتية البحرية
واقحوانها الربيعي الأصفر (الذي تغطيه أكياس القمامة الزرق
وتلالها منذ عشرة أعوام أو أكثر)... وسأظل أحنّ إلى تلك
الشواطئ المزروعة بطيران النوارس (والتي نمت عليها الجثث
والمقتول..)...
لستُ ماسوكية تتسوّل ضربة من سوط من جلادها للتتعذب
وتسعد...
أريد أن أظل أحلم... كي أظل أحيا...
محاضرة قصيرة: الحلم بمعنى ما هو إرادة التبديل... إنه
الخطوة الأولى نحو الترميم.. إلى آخره (ثمة امرأة ساخرة
تقطنني تقرأ ما كتبت للتو، وتمد لسانها لي هازئة ويدها تحمل
الممحاة... وها هي تمحو بقية المقطع)!...
***
لا أريد أن أعلّق حبك على المشجب
مع معاطف الشتاء الغابر،
واذهب إلى الصيف
بعدما غسلتك من رحم حروفي...
لقد حبلت ذات يوم بأطفالك الذين لم يولدوا بعد،
ولن أذهب إلى مواسم النجوم واخلّف زمانك ورائي كيساً من
العظام في ملاجئ العجزة قرب موائد الشفقة المؤذية...
أيها الوطن المستحيل، أعرف أن الانحياز إلى الحياد هو
عدوانية اللامبالاة... وأنا منحازة إلى موتي بك وحياتي
بك...
يسرقني الحنين إليك من كل مكان... أظل أسمع وقع
خطواتي بين الموجة والدمعة على أرصفة بيروت... هناك ذقت
للمرة الأولى طعم الحرية والمسؤولية المطلقة في آن...
ولفظت من حنجرتي رمال صحارى وُئِدتُ تحتها وتراكمات في
حجرات روحي طوال عصور...
تحت عينيك تابعت مسح العنكبوت التاريخي عن أهدابي،
واكتشفت متعة البصيرة قبل البصر...
في بيروت نشرت أجنحة الدهشة، وطرت وحيدة في دروب
الفضول حتى قاع البراكين...
في بيروت ذقت طعم السقوط إلى القمة والإقامة وحيدة
داخل عملي وتعلّمت كيف تترمم الأجنحة المتكسرة ويخرج
الفينيق من رماده...
***
أيها الشقي... لا تقلْ لي مات أهلي... وأهلك. جئتهم
ذات يوم في بيروت محروقة الأهداب مكسورة النوافذ
والخاطر...
فأخذوني إلى حنانهم الأخضر، وغمروا جلدي المحروق
بماء الورد والياسمين وصلوات البسطاء والطيبين، قاسموني
حبهم المنشور في الطرقات كخبز الفقراء... وضمّدوا قلمي
ومنحوني البحر والحب محبرة...
شربت من بئر لبنان كرماً علمتني أمي دمشق ألا أرده بغير
الكرم... وها أنا أرمي في بئره بحصى الأبجدية وأصلّي كي
تتحول إلى ماسات في قعره...
لأنني شربت من بئر لبنان مياه الصحو الموجع،
لأنني أنصت إلى حكايا القاع والأسرار، اخترقتني صرخة
الماء، ولم يعد ثمة ما ينسيني نشيد الخصب الذي تعلّمته هناك.
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 09:46
معي دائماً...
يا قارئي الذي يكتب لي مكسور الخاطر بلا مبالاتي،
لا تصدّق ورقتي البيضاء إلا من الرصانة.
فوق أوراقي غابات حزن وغموض ودوامات ألم وجنون
ومدن مسافرة داخل ذاكرة ترقص في شوارعها مهرجانات
الحرية.
فوق أوراقي وجوه لا تغادر دورتي الدموية لأمواتٍ ما زالوا
أحياءً عندي، وأمطار وقطارات ومطارات وانتحاب سري في
غرف فنادق أجهل أسماءها.
وكلما رميت بورقتي في سلة المهملات دُهشت، كيف يتسع
قشها لذلك الكون من الأحزان كله؟
أمدُّ أصابعي الضبابية عبر القارات لأشعل شمعة في ليل
غربتك...
فهل تراها؟
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 14:57
المطالعة بطريقة برايل
أطالع عينيك في ذاكرتي.
أطالع دفتر وجهك.
أطالع الحركة العصبية لأصابعك.
أطالع دخان لفافتك وخطوط كفك.
أطالع صمتك صفحة صحفة،
وأقلِّب دفتر هواجسك.
لقد رحلتُ بأكثر من حصتي من الدروب...
وأحببت بأكثر من حصتي من المشاكسة...
ولكنني ما زلت أطالع في كتاب تواضعك،
لأتعلّم أبجدية الحب.
ومع بدوي جميل مثلك،
كلام الليل لا يمحوه النهار!
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 14:58
ذاكرة الموت
أنا مدينة للموت بحياتي،
فبالموت وحده تزدهر أيامي،
لو لم أعرف أنني سأموت لما تأججتُ ناراً في غابة
ولتثاءبت زمناً من الأبدية،
دون أن أميّز بين خنوع الرماد المتثائب وطيران الحرية.
فذاكرة الموت اسمها الحياة...
وحياتي تقول لموتي: أحبكَ.. فلولاك لعشتُ دون أن
أحيا...
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 15:00
ذاكرة ثملة
لماذا،
حين أكون ثملة في الطائرة
تتخذ السحب كلها شكل خارطة سورية،
سحابة إثر أخرى؟
***
في احتفالات الغربة الباريسية، أقص الشريط التذكاري للمطر
في مطعم "ماكسيم" بمنجل حقلنا العتيق في قرية "الشامية".
لو كنت امرأة من الشوكولاته،
لأذابتني شموس سنغافورة ومانيلا.
ولو كنت امرأة من الملح،
لالتهمتني مياه البحار واستعادتني بين لشبونة وبرشلونة.
لكنني سندبادة، دارت الدنيا وهي تفتش عن حبيبها،
وكان دوماً في قاعها، واسمه وطنها!
***
كان متوحشاً وقاسياً.
أحسست كفه كلوح من الجليد حين أخذ يدي.
لكنني أحببته وتبعته حتى آخر العالم
والثلج يهطل من عينيه فوقي...
وشفاهه تنفخ رياح جبال الألب حين يهمس باسمي،
وكان اسمه: الغربة.
لست بنادمة على ذلك الحب الشقي.
فقد علمني المدعو "الغربة" أكثر من أي أستاذ آخر كيف
أكتب اسم الوطن بالنجوم على سبورة الليل.
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 15:01
ذاكرة المستقبل
يوم مُتُّ،
حملوني إلى حيث لا أدري.
وحين صحوت كان التراب نذياً بالمطر، وضوء القمر
موسيقى أثيرية صار بوسعي أن أسمعها...
شعرتُ أنني أحيا حقاً للمرة الأولى.
مددت يدي بهدوء، ومحوت الهراء الذي خطّوه على شاهدة
قبري، وصرت أكتب اسمي الحقيقي، وسجّلت أن تاريخ ولادتي
هو ما يتوهمونهُ يومَ موتي...
آمل أن لا يفكّروا في تشريح جثتي، لأنهم إذا فتحوا قبري
فلن يجدوا شيئاً؛ ولن أترك لهم حتى عنواني لتحويل رسائلي
إليّ...
ولكنهم سيجدونني سطرتُ على شاهدة قبري: "لقد قضت
عمرها وهي تتعلّم الطيران، وها هي أخيراً تتقنه وتطير..."
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 15:04
الأبدية لحظة ذكرى
في مثل هذا اليوم الخريفي الجميل منذ سنوات طويلة،
غادرتكِ يا دمشق وأنا أقسم كاذبة على فراق أبدي كما يحدث في
شجار العشاق جميعاً.
ما زلت أذكر كيف قدتُ سيارتي وحيدة صوب بيروت وأنا
أغيظك بشهوتي للرحيل إلى تلك الأماكن السحرية كلها التي
طالما قرأت أسماءها على الخرائط وحلمت بالذهاب إليها.
في لبنان استقبلتني الألعاب النارية في مهرجان، واشتعلت
الذرى بالنيران الاحتفالية. سألت صبياً في "الكحّالة": هل
تحتفلون بوصولي الليلة إلى بلدكم؟ ضحك وقال: اليوم "عيد
الصليب". فرحت بالزينات والمشاعل ولم أكن أدري أن احتفالاً
طويلاً بصلبي على أشجار الغربة بين القارات بدأ تلك الليلة...
قبل أن أنام، راودتني الورقة عن نفسي لأخطّ لك رسالة ما،
فنحن لم نفترق قبلها ليلة واحدة، ولم يكن بوسعي أن أنام دون
أن أذكرك وأتشاجر معك. وما كدت أخط اسمك على الورقة
البيضاء حتى تحولت إلى حقل شاسع من الياسمين!
وعرفت كيف يغطي الحنين مساحات العتاب: إنه قدر
العشّاق.
***
أرحل أرحل. أبحث عنكِ طويلاً ولا أجدكِ ، ويهبط الثلج
بهدوء عارياً وعلى رؤوس أصابعه في القارة الأخرى.
ومثله، أهبط بهدوء حتى قاع ذاكرتي.
وهناك، أجدكِ بانتظاري كالمعجزة...
وتهب رائحة الياسمين حتى حافة البكاء...
***
يوم غادرتُكِ ، عبأت عمري في عدة حقائب، وها أنا أتشرد
بها من بلد إلى آخر، مثل راع يقود قطيعاً ضالاً من الخرفان في
الصباحات الوعرة، بين مراعي الغيم، تطارده بروق الذاكرة
وتحرقه صواعقها...
حبكِ طائر تسلل إلى مركبي مزقزقاً بأصوات صديقات
الطفولة، وبنى عشه ولكن داخل شراعي، فغطاه الياسمين الذي
كان يتسلق شرفتي الدمشقية العتيقة وكانت جدتي قد زرعته بيدين
تفوح منهما رائحة ماء الزهر والحّناء وتضمران الوشم البدوي
الجميل...
***
سيدة الرحيل
تزوجَت من المجازفة
وأنجبا الدهشة.
سيدة الرحيل، دموع من حبر، وشفتان من ورق،
ورئتان تتنهدان عطر الياسمين...
***
في السهرة الباريسية، يتنزه حزني بين المدعوين وهو ينثر
النكات والضحكات، وفي عنقه عقد من الياسمين عمره ربع قرن
وما زال نضراً كأنه قُطف للتو...
في السهرة العامرة يلتقي حزني بالحنين، فيمشيان معاً يداً
بيد، ويرقصان في الحلبة خداً على خد.
حبكِ يا دمشق بجعة بيضاء تسبح فوق مياه الذاكرة المعتمة
الغامضة بكل صمت الياسمين وسرّيته.
FANTASTIC MOBIL
19-12-2007, 15:06
أشهد برجل ليس لي
ألعن تلك اللحظة المباركة
حين اصطدم مركبي بجزيرتك
و تحطم
و أسعده حطامه
و عشق شطآنك .....!!
***
ألعن تلك اللحظة المباركة
و أنا أهرول كعادتي
في دروب مدينة ليست لي
لأحلم برجل ليس لي ....!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 09:49
ذاكرة الأسماء المشعة
ما زلت حين أكتب اسمك على الورقة،
تعود شجرة ، ويصير دفتري غابة.
ما زلت حين أكتب اسمك على الورقة،
يتحول بياضها إلى قوس قزح مشعّ حيّ الألوان.
وحين يهبط الليل، لا أضيء نور مكتبتي
كي أظل أرى النجوم التي تومض من نقاط اسمك!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 09:51
ذاكرة الصداقات الغابرة
أحدّق في الفؤوس
وهي تمشي في نومها إلى الأعناق.
ومن قاع غربتي،
أنادي أحباء الأمس ، وأتحسّس عنقي بخوف.
ففي الكابوس، أيديهم هي التي تحمل الفؤوس!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 09:52
ذاكرة المتناقضات
أبوح باسمك لليل الطائرة، والليل يمعن ليلاً
في فضاء اللانهايات،
فيمتلئ فمي بطعم الملح والرماد، والزجاج المسحوق،
والعسل واللوز والسكر وعذوبة الضحك البريء حتى
الطفولة.
هكذا كانت أيامي معك،
مزيجاً من المتناقضات كما في قِدْرِ الساحرات.
من جديد تولد في دمي تلك الرعشات التي لا اسم لها.
من جديد أعود حمقاء وسعيدة،
نزقة ومتأججة أدور حول كوكبك في مدارات الجنون،
يركع عقلي في محراب الهذيان المجيد والاشتعال المبارك.
أبرِّرُ جموحي بكلمة مضحكة: ما زلت عاشقة!
ها قد عدتُ ذاكرةً لا تشتهي غير أن تفقد ذاكرتها...
وأحبك!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 09:54
نزيف في ذاكرة
- من هو الذي يقتله أن يأكل أو يشرب أو ينام أو
يسترخي؟
- إنه الحب... وحده يقتات بالحرمان...
- لماذا افترقنا أيها الغريب؟ ذاكرتي تعاقب ذاكرتي!
- لأن الحب
هو المخلوق الذي يقتله أن يأكل أو يشرب أو ينام!
كي يحيا عليه أن يظل أرقاً وجائعاً وعطشاً ومحروماً،
وصعلوكاً حافياً على بوابات الحنين.
تلك الطرق كلها كانت تقود إلى النوم والتجشؤ العاطفي،
فحاولت أن أحفر مجرى يقود إلى الزلزال،
أُعبِّد درباً فوق الشلال!
مع الرتابة، تفقد الذاكرة ذاكرتها،
فلا تعاتبي ذاكرتك لأنك مضيت، فقد أهديتك بطاقة السفر
بنفسي...
وتوجتكِ بالفراق.
- يعود الضوء الحار ليشع من حضورَ في قلبي،
يفجر مناجم الأبجدية ذلك الضوء الدافئ على حافة الأبيض
والأسود.
كأيامي كلها معك، بين الغبار والأثير،
والتنهد التائه بين التنفس والبكاء... والقهقهة!
ذات ليلة
سأموت بنزيف داخلي... في الذاكرة!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 09:56
صفير ذاكرة في محطة الشوق
سافرتُ طويلاً
حتى صارت القطارات تسافر داخل دمي،
وصغيرها يهدر في أنفاق شراييني.
وها هي محطات الضياع الهولندية
تجدل الشعر الطويل لأحزاني وتزيّنه بزهرة "المجنونة"
الليلكية،
المقطوفة عن سياج الشواطئ المالحة كالدمع في بيروت...
باقات توليب الليل ذوت صباحاً في غرفتي بالفندق،
فكيف تظل تلك الزهرة الليلكية البيروتية الغابرة
جديدة ونضرة في قطارات الذاكرة؟!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 09:57
ذاكرة معطف
طردتك ، ورميت بحقائبك على الرصيف،
لكن معطفك المنسي في غرفتي
صار يهذي ويحرّك كمَّيْهِ محتجاً ومتأهباً لعناقي.
وحين رميت به من النافذة،
ارتفعت ذراعه الخاوية في الريح وهو يسقط
كمن يلوّح بيده وداعاً...
أو يصرخ: النجدة!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 09:59
وبيننا خبز وحبر... وذاكرة
منذ أحببتك قبل مئات الأعوام داخل محبرة ،
وأنا أحاول أن أخترع حباً جديداً معك
لا يعرف حبّ التملك وذل شهوة الجسد ومباهج الشجار.
فبيني وبينك خبز وحبر، على مدى عمر.
وحينما تمطر عندك في القارة الأخرى،
يبتلّ شعري!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:00
ذاكرة بصّارة في أمستردام
أشرب قهوتي، ثم أقرأ في الفنجان الملطخ بالبقايا
حكايتي مع رجل أحبه ولا أعرفه!
وكل مساء، أحمل ذاكرتي إلى فراشي،
أمدّدها تحت الأغطية الدافئة
وأجلس إلى جانبها لأقرأ كفّها حتى تنام.
وحين يقرع الليل طبول "التام تام" في امستردام،
ويشتعل الحبر في الشرايين، ويستيقظ المستحيل،
أركض في قاع زجاجة الحزن،
فتتحول بي إلى مركب يعلو ويهبط بدواري،
والبحر مظلم.
وحين أهتف بإسمك
تتناثر من مجذافي النجوم...
أفتقدك؟
ولكنني أراك كل ليلة بوضوح في كرتي الزجاجية الشفافة!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:02
ذاكرة وطن
وحيدة آخر الليل مع فان غوخ والعازف العجوز.
ها هو شوبان ينتحب على كتفي،
وعلى أصابع البيانو،
بدموع من طيب وطنه بولونيا.
وفان غوخ ينتحب هولندا بدموع من إصباغ اللوحات...
وها أنا أنتحب على ركبة السطر
بدموع من طين عدة أوطان مرة واحدة...
فلسطين ولبنان ... و... و...
( أضف الأسماء التي تجدها مناسبة ووقّع هذا النص
باسمك!)
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:04
ذاكرة كيف ومتى ولماذا..
لقد حبسني حبيبي داخل زجاجة عطره
كما حبسوا الجنّي في القمقم ورموا به إلى قاع البحر.
ومن يومها وأنا أراسل برقيات الاستغاثة،
فهل تعثرت بواحدة منها على الشاطئ
وقرأت فيها هذه السطور؟
إذا فعلتَ ، لا تأتِ ، لا تحاول إنقاذي !
لقد ألفتُ قارورتي
في ركنها نصبت طاولة كتابتي، ونثرت أوراقي وربطت
روحي إلى فرشاة أسناني
وامتطيت قلمي في الليل كما تمتطي الساحرة عصاها لترحل
في سموات النجوم...
ومن يومها وأنا أطير بعيداً في أحلامي
بحثاً عن أسئلة تاهت مني،
عن كيف كان ذلك بيننا،
ولماذا أنت،
ومتى اكسرُ زجاجة عطرك، وأستعيد ذاكرتي؟
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:07
أشهد بالضوء والنار
لا تحزني من اجلي يا دمشق ....
لقد عرفت الضوء و الحب و الفرح
و انا أرحل من كوكب الى آخر ...
و من جرح الى آخر ....
و من حريق الى زلزال الى انهيار
الى رحلة صيد في قاع البحار .....
***
احزني من اجل الذين يرحلون
من الولادة الى الموت
دون ملامسة الضوء مرة
أو النار ....!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:10
ذاكرة متمردة
جئتك عزلاء كبجعة، أقرع بمنقاري نوافذ اللطف
حين سقط منجلك على عنقي!
ولم يعد صوتك يهطل فوق قلبي مطراً ملوّناً،
ولم تعد عيناك أفقي، وذراعك مجذافي،
ولم تعد ذكراك رضوض الروح التي لا شفاء منها
إلا بالموت... ولم... ولم...
هنا أحببتك حتى الثمالة، وهناك أنساك حتى الثمالة،
هذا ما لم تقله شهرزاد لشهريار
ليلة أصدر شهريار أمره إلى جلاده ليجزّ عنقها ونام...
ففتحت شهرزاد والجلاد خزائن الغضب وهربا معاً.
***
شهريار غطرسة الهراوة،
وأنا حيرة طواحين الهواء.
كنت أحدثك بلغات الطير
وأنتَ تحدثني بلغة هولاكو!
كنتَ تظنني تحولتُ إلى رصيف عتيق منسي
أمام عتبات قصر الشوق، ولم تصدّق،
حين أَضمَرَ الليل لك القمر كامل الاستدارة،
أنني تحوّلت من عاشقة
إلى قطة برية متوحشة،
في فمها أسنان عشرات النساء
اللواتي دستهن بأحذية غطرستك
وجزّ سيّافك أعناقهن!
وها أنا أركض عبر القارات،
مكتظة بالحزن والذكريات،
مكنظة ببصمات أصابعك على جسد أيامي،
مكتظة بحبك اللامنسي وزوابعك وألعابك النارية،
مكتظة بأصواتك وهبوبك ومدك وجزرك،
مكتظة بالصحو والنسيان... بالحب ورفضه في آن...
***
يتجول الحزن أميراً في بهو الصيف،
ويطوف بين رعاياه من النساء المكسورات
على بوابات البكاء والمزارات،
وأمشي إليه،
عارية القدمين والكبرياء...
المطر الاستوائي ينهمر من شعري،
ويأخذني الأمير الحزن إليه
وأنا أعترف له: لقد ذهبت إلى حب شهريار
كطيران العصافير في العاصفة المدارية،
بلا مظلات ولا قبعات،
فانكسرتْ.
ولولا عكاز الأبجدية لسقطتْ!
إنني أروي الحكايا
لا لأسلّي شهريار،
بل لأداوي جرحي
على مدى ألف عام وعام، لا ألف ليلة وليلة...
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:12
ذاكرة "فلاش" في مقبرة
حين تتأجج ضحكاً وحياةً هكذا،
مثل شجرة لوز أزهرت فجأة بعناقيدها الضوئية البيضاء، أشعر
بالغصّات ، لأنك ذات يوم ستموت!
وذلك الوريد الذي أتحسسه وأنا أتظاهر بتقبيلك لن ينبض
ذات يوم، والتراب البارد يُغطّيه.
***
حين تغمرني بنكاتك وحرارة حضورك
وتجرّني من يدي لممارسة الضحك تحت المطر
أكاد أبكي،
وأنا أعي أن النمل والحشرات والديدان،
سترتع داخل هاتين الشفتين المشعتين قهقهةً،
وشعرك سيستحم بالوحل في أبدية النسيان
وأعي بهلع، أن حبنا الكبير
ليس أكثر من ومضة "فلاش" في المقبرة يعود بعدها كل شيء
ليغرق في الظلام...
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:14
فياغرا روحية
حين التقينا كنتُ عجرية بلا مرفأ، وقلبك شاعر جوّال.
في الصيف أحببتك، حين كانت النجوم تهبط إلى البحر
لتستحمّ... وحين كانت النزهة على سطح القمر أمراً مألوفاً
وخطوة واحدة تفصل بين الروشة البيروتية والأفلاك، ما أسهل أن
نخطوها حين تكون يدي في يدك.
وكنتَ أول من اخترع الفياغرا النفسيّة... سكبتها في دورتي
الدموية بنظرة من عينيك العاريتين حتى قاع الروح، ومن يومها
وأنا أركض فوق ورقة الكتابة، فوق الخرائط، فوق الذكريات
الآتية، فوق جنون القلب، صيفاً بعد آخر، حبراً بعد آخر، نسياناً
بعد آخر، وأحبك!
أحببتكَ في صيف الأشواق المستحيلة،
واستمرّ حبنا إلى الأبد،
لأنه لم يتحقق مرة واحدة...
فهل الحب قمر صيفي، اكتماله إيذان بنقصانه؟
يا أمير الفياغرا الروحية العابرة للقارات، متى ينتهي مفعول
حبك؟
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:36
الأبدية لحظة غربة
كيف أغلق ملف السفر؟
كيف أتحوّل إلى مقعد - خارج طائرة - !...
مقعد حجري منحوت في صخور قاسيون؟
كيف أصير شجرة لا تغادر جذورها ؟
كيف أترجَّل عن الرحيل لأعود حبة رمل في شطآنك التي
طالما ارتجفت في الانفجارات؟
وكيف أقول لك حنيني إلى الياسمين دون أن أقوله؟
على ضفة أشواقي المستحيلة انحنى البكاء وبكى ، وشهقت
رياح الليل، وأنا أحاول عبثاً إغماد خنجري في صدر تلك
الغجرية الشرسة: ذاكرتي...
أحدق في نهر السين من النافذة وبين أهدابي لا يزال نهر
بردى يركض والنيل ودجلة...
أحدِّق في زحام السيارات وفوق عينيّ يركض المحراث
القروي العتيق وأفراح طفولتي فوق عربات "الدريسة" على حقول
القمح المقطوفة بالنضج...
أحدِّق في رفاق السهرة بالمطعم الباريسي وأتذكر سندويشات
"أبو علي" في رأس بيروت، ونحن نلتهمها على شاطئ البحر
داخل السيارة مقابل "فندق الريفييرا"... وحين يمر بائع
الياسمين نشتري عقداً نهديه للبحر...
من قال إن الجسد لا يستطيع أن يكون في مكانين مختلفين
في وقت واحد، وأنا أعيش ذلك منذ خمسة أعوام؟
***
أنشد تحية العَلَم للمنفى ،
وأنشر جسدي المقدّد بالغربة،
على شطآن خرافية السحر...
وأعلن أنني مبنّجة بالحاضر، لكن حبك
يطل برأسه كعشبة خضراء حياً ونضراً... يشرق فوق
الأراضي المحروقة للقلب، وتفوح منه رائحة ليالي بيروت
المعطرة بالبحر والملح والهذيان... (تلك العاشقة التي تسكن
جسدي، متى تغادرني وتدعني بسلام؟)...
هل بدأ موتنا يوم اخترعوا لهزائمهم مفردات جديدة،
وزوّروا الكلمات فضلّت الحرب طريقها إلى ساحة المعركة
الحقيقية؟
منذ ذلك اليوم ونحن نركض ونلملم عبثاً ذلك العمر المهشم
بين الليل والليل، بين الملح والجرح، بين الأفق والمقبرة، بين
الوسادة والكابوس...
***
تعبنا من غربة تتشرد داخلنا ... تسافر في أوعيتنا الدموية،
وتركب قطارات نبضنا، وتقطع تذكرة إلى نخاع عظامنا
وتنتحب في عمق أعماقنا...
كل من يحنّ إلى مدينة يعودة إليها. ولكن ماذا يفعل من
يشتاق إلى مدينة لم تعد موجودة إلا في خرائب الذاكرة؟
وكيف يركب آلة الزمن إليها؟
كيف أقنع نفسي بأنك صرت جزءاً من مسحوق الذاكرة
الأبيض، المنثور في الضباب المُخَدِّر للنسيان؟
ماذا أقول للطيور التي تسكننني
وفي أجنحتها جوع التحليق أبداً؟
وهل عليَّ أن أغدر بماضينا الجميل معاً
رشوة لحراس مستقبلي؟
***
نحن الذين توهمنا اننا رحلنا يوم رحلنا...
نعرف أن الحلم سيسوقنا إلى خوفنا الجنون...
وأن الزمان الرديء يعني
أن يصير الحنين إلى الياسمين هذياناً...
والانتماء إلى الطحالب طموحاً.
ولكن، ما حيلتنا مع قلبنا السنونو،
الذي يرفض إرشادات البوصلات المزوّرة،
مصرّاً على التحليق صوب الربيع؟
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:41
الأبدية لحظة حنين
هل لمحتني وأنا أتدلى من شجرة الميلاد في ركن غرفتك،
مصباحاً صغيراً بنفسجياً يومض كعينين اشتعلتا بضوء المحبة؟
هات جرحك واتبعني، فأنت أقرب إليّ من أنفاسي. أحببتك
دائماً، منذ طفولتي، حين نظرت إلى مرآتي فشاهدت فيها
وجهك.
تلصق المحارة قلبك بأذنها، وتنصت إلى تنهد الأبدية وتقرأ
في كتاب عينيك حكايات البحر للجزر النائية المرجانية...
أحببتك أينما كنت، وكرهت كل من رمى بأفاعيه على شجرة
ميلادك الملونة وبالونات الأطفال والضحكات... فازرع شجرة
الميلاد في قلبي، ثمة سنوات ضوئية من المحبة أريد أن أغمر بها
أفراحك وأطفالك... بالرغم من أنف فزّاعي الطيور... ولتكن
نارهم برداً وسلاماً على أجنحتك... لن ندع الجرذان توقعنا في
مصيدتها معاً...
وسأظل أحبك بكل جسدي الممدود من المحيط النائم إلى
الخليج الأكثر نوماً... ولن أدع أحداً يزرع أصبع ديناميت في
أحشاء دمى أطفالك... ولن... ولن... وستظلّ أقرب إليّ
من نصل سكين يخترق قلبي. وسنظل نتبادل الحنان والمودة
كعناق الشجرة والضوء.
لك أهمس من بعيد: ميلاد مجيد!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:48
الأبدية لحظة ماطرة
قال عامل البناء: إنها تمطر. سيكون يومي موحلاً.
قال ساعي البريد: إنها تمطر. سأقضي يوماً بائساً.
قال سائق التاكسي: إنها تمطر. سيزداد عدد زبائني.
قالت ربة المنزل: إنها تمطر، أي بؤس هو الخروج إلى
السوق وشراء العَلَف.
قالت العانس: إنها تمطر وستنهار تمشيطة شعري.
ضحك الفلاح الأول: إنها تمطر وسيزدهر قمحي.
بكى الفلاح الثاني : إنها تمطر وسيفسد قطني.
قال بائع المظلات: إنها تمطر، ما أجمل الطقس اليوم.
قالت العجوز: إنها تمطر وسأعجز عن مغادرة البيت.
قال حفار القبور: إنها تمطر، سيزداد التراب ثقلاً وسأتعب.
العاشقة لم تقل شيئاً...
تأملت ذلك الانهمار المتوحش، وأصابع الماء الشفّافة
تتحسّس نوافذها بفضول محموم الانسكاب.
العاشقة قالت لنفسها بلا صوت:
أن تمطر أو لا تمطر. أن تشرق الشمس أو لا تشرق عبر
الغيوم. أن يطلع قوس قزح أو تنسكب العتمة. أن يعربد الرعد
أو تجن سياط البرق المضيئة...
ما الفرق؟
ما دام حبيبي سيأتي لنسهر الليلة معاً... فالطقس بديع كيفما
كان!
FANTASTIC MOBIL
20-12-2007, 10:53
أكذوبة اسمها سنة جديدة
- قلبي يتهادى ببهجة بجعة البحيرة، لأننا سنقضي سهرة رأس
السنة معاً في بيروت. أصدقيني القول: ما شعورك الليلة؟
- قلبي ثقيل كجثة مهرة.
ها أنا أقف على حافة القرن الحادي والعشرين، امرأة راسبة
في "مدرسة الببغاوات"،
رومانسيتها من القرن التاسع عشر وعقلها على حافة القرن
الحادي والعشرين...
أواجه أكذوبة السنة "الجديدة" بذعر.
أواجه طواحين الهواء المفرغة من الهواء بحيرة "هاملتية".
أواجه موت الأشجار والرقة والعذوبة والفروسية والشعر
والشهامة.
أواجه عفاريت البارحة والغد. العدوانات الالكترونية
والذرية، احتضار الأوكسجين، انتصار الشاشة على الغيمة،
محاصرة بشبكات "الانترنيت" وبتقنيات لم أشارك في اختراعها،
لكنني "ابتعتها" كما فعلت من قبل بالطائرة والسيارة والدبابة،
والكومبيوتر الذي قمت بتوظيفه لاحصاء أنفاس الناس وقمعهم
باتقان.
نيراني شرر بلا زيت ولا فتيل، لهبة محرقة بلا ضوء.
أقف على الأطلال كما فعلت منذ قرون، وأتلو "ديوان
الحماسة" وأترحم على أجدادي، وسجادة الأرض تتم سرقتها
من تحت أقدامي وأنا أنشد: "أمجاد يا عرب أمجاد"...
ثيابي كحذاء الطنبوري، رقم من بلاد العرب والعجم
والمغول والتتار. هوايتي "الكارا أوكي"* وطفلتي دمية الكترونية
تدعى "تاماغوتشي"*.
بطارية قلبي المزروع من صنع ألمانيا.
العدسات اللاصقة في عينيّ من صنع فرنسا.
السماعة في أذني من صنع بريطانيا.
ساقي الخشبية الاصطناعية من صنع روسيا.
لكنني ما زلت أرقص "الدبكة" و "السماح" فوق قبور أجدادي
الذين كانوا عظاماً حقاً، وأنشد "ألسنا خير من ركب
المطايا..."، وأرواحهم تلعنني وقومي على ما اقترفناه
بحقهم...
ها أنا أقف بموزاييكي الحضاري المستورد الهزلي في مقبرة
سهرة رأس السنة، أنفخ في الزمامير، وأضع على رأسي القبعات
الملوّنة وعلى وجهي الأقنعة المكسيكية، وأرطن بالفرنسية،
وأرقص على أنغام الموسيقى الاسرائيلية في المرقص
"الكوزموبوليتاني".
وسط هذا الخراب غير الجميل، وحدها روحي تناضل كنملة
عنيدة لتظل نقية وعربية... ولكن الأرواح لا تشيد مجداً ولا
تُصلح تاريخاً...
"دبكة يا شباب" ودعونا ننسى... بل أوقفوا الموسيقى
وليعمّ الصمت ودعونا نتذكر أكذوبة عربية كبيرة اسمها سنة جديدة
نرشو بها ضمائرنا منذ عصور.. ونحن نتقهقر كل عام قرناً!
***
- كم تتقنين "فن النكد" أكثر من "فن الماكياج"! لماذا لا
تغلقين فمك وتفتحين ذراعيك كما تفعل النساء اللطيفات كلهن؟
لماذا لا ننهض ونرقص كبقية المدعوين ونهتف "هابي نيويير"
و "بون آنيه" بكل اللغات في المظاهرات؟
- لأنني حين أستحضر وطني العربي في خاطري، يهطل
المطر داخل قلبي... لا أريد أن أكون مبنّجة بحبك، ومستسلمة
لخدري مثل مريض في غرفة ا