عرض الإصدار الكامل : سَـرحان و الماسُورة
هو سرحان العلي من عرب الصَّـقر، الذي نسفَ ماسورة البترول سنة 1936.
و هذه القصيدة واحدة من تجارب الشاعر توفيق زيَّـاد التي نسجها على نغم الحكايات الشَّـعبية الشـعرية.
هذه مقدمة قصيدة "سرحان و الماسورة" كماوردت في كتاب "عن الأدب و الأدب الشعبي الفلسطيني"...
و الذي سأنقل لكم منه الحكاية على أجزاء... (بإذن الله)...
في الطريق... سرحان
يقظاً مثل حمار الوحش كان
و ككلب الصَّيدِ ملفوفاً خفيف
و شجاعاً مثل موج البحر كان
و مخيفاً مثلما النَّـمر مخيف
* * *
كانت الدُّنيا مطر
و صفيرُ الرِّيح في الأذنين... و حشٌ و جَـأر
و على الوجهِ يـصـيـرُ البردُ... شـوكـاً و إبـَر
كانت الدُّنيا مطر
و ظلامُ الليل كالفحمة... لا نجماً يضوي... أو قمر
إنَّما سرحان ُ كالقط... يرى الإبرة في الليل الكثيف
إنَّه يعرف هذي الأرضَ كالكف... كما
يعرفها كلبُ الأثر
كانت الدُّنيا مطر
* * *
كان يمشي نحو " تـلِّ الحارثـيَّـة "
حيث ماسورةُ بترولٍ شقـيَّـة...
تحملُ الخيرَ الذي يدفقُ من أرض الشعوبِ العربية...
لبلادٍ أجنبيَّة
كان يمشي نحو " تـلِّ الحارثـيَّـة "
و بجيبيهِ دناميتٌ و نارٌ و فـتيل
و على كتفهِ كانت بندقـيـَّة
* * *
كتلة صامتة كان يسير
و بعينيه سكاكينٌ... و شـرٌّ مسـتطير
كتلة تنحتُ نحتاً دربـهـا بين الـصُّـخور
شرهاً كالذئب... للصَّـيد الكبير
إيه يا سرحانُ... أسرعْ !!
إنَّ لليل عيوناً... رُبما تقرأ أعماقَ الضَّـمير
و ترى ما في الصُّدور...
إيه يا سرحانُ... أسرعْ !!
و لتكنْ رجلُك فوق الدَّربِ منديلَ حرير
لم لا يُخلقُ للإنسانِ أحياناً... جناحٌ
كي يطيرْ...؟!
قبل ذلك... عندما لم يفهم سرحان
عندما قالوا له: " سرحان.. يا سرحان..
هل تقدرُ أن تفعل شيئاً للوطن؟ "
هـزَّ كتفيه: " أنا..؟! يا ناس خلُّوني بعيداً عن
حكاياتِ الوطن! "
عندما قالوا له: " سرحان.. يا سرحان..
هـيـَّا للجبال.. "
هـزَّ كتفيه: " أنا..؟! من أين إن جُعتُ.. ستأتي
لقمةُ الخبز الحلال؟!.. "
عندما قالوا له: " سرحان.. يا بن الكلب.. أنظر
شعبكَ العبدَ الطَّعين.. "
هـزَّ كتفيه: " أنا..؟! ما دامَ جلدي سالماً..
مالي و ما للآخرين..؟! "
لعنةُ الله
على شكلكَ
يا كتلةَ طين...
* * *
لعنةُ الله عليهِ... ما فهم...
إنما لمَّا رأت يوماً نجومَ الظّهر عيناهُ... فَهم...
مرَّة في الطوق مشوهُ على
ألواح صبَّار برجْل حافية...
و هوى العسكرُ بالسَّوطِ على ظهرهِ
ناراً حامية...
كسروا السكة و العودَ... و ساقوا الماشية
و بأعقابِ البنادق
حطَّموا السُّـدَّة و البابَ و كلَّ الآنية...
نسفوا البيتَ و صاحوا:
" أنتَ... يا بن الـزَّانية...!! "
.......................................
ساعةُ الميلادِ جاءت.. هكذا.. في ثانية..
......................................
عندها سرحانُ لم يأبه لنيرانِ الألم...
إنما صرَّ على أسنانهِ... في فمه المملو ءِ دم...
إنَّ سرحان...
أخا البنتِ...
فهم...
آه.. كم يصبحُ سرحانُ
مخيفاً..
إن فهم !!
* * *
عـاشَ سـرحانُ العلي مُـطارداً عـامـاً و نصفا
ما درى حيٌّ مقرَّه
فـتَّشـوا عنه مِـراراً... كـلَّ حـجر... كلَّ حـفرة...
وضعوا ألفَ جنيهٍ للذي يقتلهُ.. أو يكشفُ سرَّه
ألف مـرَّة
بينهُ كان و بين الموت شعرة
ألف مـرَّة
كان في كـلِّ مكان..
و اسمهُ عاش على كـلِّ لسان..
إنما عاماً و نصفا ما درى حيٌّ مقرَّه
* * *
ذات يوم راح سرحانُ يفكر...
إنَّ أنبوباً على بُُـعد كذا...
يدفق فيه النفط قـرب " الحارثـيَّـة "
يحمل الخيرَ الذي ينبعُ من أرض الشـعوبِ العربية
لبلادٍ أجنبية...
آه يا سرحان... لو... لو يتفجَّّر...
إنَّ أسنانكَ لا تكفي.. و لا يكفي رصاصُ البندقـيَّة
فـتدبَّـر...
لعنة الله عليكَ.. ما الأمر؟! فـكر و تدبَّـر...
اللحظاتُ الأخيرة... انتظري...
آه يا ماسورةَ البترول.. يا بنتَ الحرام.. انتظري..
إنَّ سرحان الشَّـقيَّ بن الشَّـقية
قادمٌ رغم انصباب المطر
و بـعـينيه بـروقٌ شـتويـة
كتلة صامتة.. وحشاً شديدَ الخطر...
ملء جيبيه دناميتٌ.. و نارٌ.. و فـتيل..
أنت يا بنت الحرام.. انتظري
هذه لحظتكِ السَّـوداء جاءت.. هكذا كالقدر
كـلُّها بضع ثوانٍ.. قبل أن تنفجري..
آه.. يا بنتَ الحرام..
انتظري...!
* * *
لم يَـعُـدْ سرحانُ من ليلته تلك.. و لكن في الصباح
نشَـرت بعضُ الجرائد:
- نسفُ ماسورة بترول بتلِّ " الحارثـيَّـة "
- فجَّـرَ الأنبوبَ إرهابيٌّ مُـطارد
- وجد البوليسُ بعدَ البحث رجْـلاً بشريَّـة
و بقايا بندقـيَّة
و هويَّـة
- اسمه الكامل: سرحان العليُّ من عرب الصَّـقر و لكن
بعد لم تُـعـرَفْ تفاصيلُ القضـيَّـة
و البقيَّـة
في غدٍ نأتي إليكم
بالبقيَّـة
موضوع شيّق و مثير للإهتمام
الله يسلم هالإيدين ع النقل الجميل
شي حلو والله
القسور أبو رعد
أمُّـهُ تـرثـيـه...
شيِّعُوا لبني عمومتهِ... يـجيئوا بالطُّبول و بالزمور
خـبِّـروهم أنـهُ قـد عـادَ مـن غـزواتـهِ صـقرُ الصُّـقور
وزعوا الحلوى و أكـياس الملبس للكبير و للصَّغير
بالهنا كل الهنا... يا هـنـيَّـة
و انكوت عينيَّ أنا يا صبيَّة
شيِّعُوا لبني عمومتهِ... يجيئوا مثلَ أسراب النُّسور
خـبِّـروهم أنـهُ لما أتاني عينهُ جمرٌ و شـرٌّ مستطير
" ناوليني قرشـنا الأبـيضَ يا أماه... فـالأمـرُ خـطير "
بـعـتُ إسـورة الـزفـافِ و بـعـتُ خـاتـمـي الأخـيـر....
بالهنا كل الهنا... يا هـنـيَّـة
لا تُـخَـلُّوهُ بـلا بـنـدقـيَّـة....
يا صبايا الحيِّ هيئنَ الذبائـحَ.. و المواقدَ.. و القدور
و الثِّياب انقعنها بالعطر نقعا... و المناديل الحرير...
إن َّ سَــرحانَ الأمـيـرَ.. بـنَ الأمـيـر.. بـنَ الأمـيـر
عـادَ مـن غـاراتـهِ يـرتـاحُ فـي حُـضـنـي الـوَثـيـر
يـا صـبايـا حـيِّـنـا... يـا حراير
جاءنا الكيفُ فـخُذنَ المزاهِر
شيِّعُوا لبني عمومتهِ... يجيئوا بالطبول و بالزمور
خـبِّـروهـم أنهُ إن جاءَ ثـانية... أبـعْ ثـوبـي الأخـير
بالهنا يا أمهُ زُفـي إلـى أحـضانهِ أحلى صبيَّة
بالهنا يا أمهُ بيعي ثيابكِ و اشتري لهُ بندقيَّة
تـمّـت...
بُورك لك يا سرحان شهادتك العلية...
و أفاق الله امتنا من نومتها الأبدية...
و أعاد الله رؤسنا مرفوعة آبية...
شامة شكراً لكِ للنقل الرائع و الجميل..
vBulletin v3.6.4, Copyright ©2000-2009
Translated by SyriaNobles