المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : نافذةعلى الروح -2-


قلب وطن
20-12-2001, 21:38
الحركة لا يمكن رصدها الا من خارجها ..

لايمكن أن تدرك الحركة وأنت تتحرك معها في نفس الفلك , وانما لا بد من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها .. ولهذا تأتي عليك لحظة وأنت في مصعد متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته .. لا تستطيع ادراك هذه الحركة الا اذا نظرت من باب المصعد الى الكتل الثابتة في الخارج ..
وبالمثل لا يمكنك رصد الشمس وأنت فوقها ولكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض كما لا يمكنك رصد الأرض وأنت تسكن عليها وانماتستطيع رصدها من القمر ..
لا تستطيع ان تحيط بحالة الا اذا خرجت خارجها .. ولهذا ما كنا لنستطيع ادراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة و خارجة عن هذا المرور الزمني المستمر .. أي على عتبة خلود .. ولو كان ادراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا ان ندرك هذه الثواني أبداً .. ولانصرم ادراكنا كما تنصرم الثواني بدون ان يلاحظ شيئاً .. وهي نتيجة مذهلة تعني أن هناك جزءاً من وجودنا خارج عن اطار المرور الزمني " أي هو خالد " .. هو الذي يلاحظ الزمن من عتبة سكون .. ويدركه دون أن يتورط فيه .. ولهذا لا يكبر ولا يشيخ , ولا يهرم ولا ينصرم .. ويوم يسقط الجسد تراباً سوف يظل هذا الجزء على حاله حياً حياته الخاصة غير الزمنية .. هذا الجزء هو الروح ..

لنا روح اذاً تعلو على الزمن وتتخطى الموت وتتخطى الحتميات المادية ..
ماذا عن البعث اذاً ؟ لم يعد أحد بعد الموت ليخبرنا ماذا جرى له .. ولم يأت يوم البعث لنقدم دليلاً ملموساً وشاهد عيان .. لذلك يمكن القول في موضوع البعث أنه حقيقة دينية يرجحها العقل والعلم ..
لماذا يرجحها العقل والعلم ؟
لأن شواهد الوجود وظواهره تشير جميعها الى أن هناك عوداً على بدء ودورة لكل شيء .. بعد النهار يأتي الليل ثم يعود من جديد فيأتي النهار , الشمس تشرق ثم تغرب ثم تعود فتشرق .. الصيف والخريف والشتاء والربيع.. ثم تعود فتتكرر الدورة من جديد .. الكون كله بمجراته يتجه الى التضيق والانكماش بعد التشتت والانفجار .. وهذا يرجح أنه بعد رقود الموت هناك صحوة بعث .. لأن هناك عوداً لكل شيء .. والله يسمي نفسه في القرآن المبدئ والمعيد .. قال تعالى (كما بدأكم تعودون) ويقول تعالى (يبدأ الخلق ثم يعيده) ألا يدور كل شيء في فلك من الذرة الى المجرة ؟ حتى الحضارات لها دورات والتاريخ له دورات , هذا العود الأبدي في كل شيئ يرجح البعث ..
الدليل الآخر على البعث هو النظام المحكم الذي ليس فيه بادرة خلل واحدة من أكبر المجرات حتى أصغر الذرات بل نجد النظام والقانون يهيمن على كل شيء .. حتى الالكترون المتناهي في الصغر لا يستطيع أن ينتقل من مدار الى مدار الا اذا أعطى أو أخذ مقدار من الطاقة يساوي حركته .. وكأنه راكب قطار لا يستطيع السفر الى أي مكان بدون تذكرة .. فكيف نتصور في هذا النظام المحكم أن يهرب قاتل , أو يفر ظالم من الجزاء لمجرد أنه ضلل الشرطة .. ان العقل يتصور أنه لا بد سيلقى جزاءه حتماً , وأن هناك لا بد عالماً آخر يسوى فيه الحساب .. هكذا يقول العدل .. ومن أعدل من الله ؟
كما أننا مفطورون على تحري العدل وعلى حب العدل والبحث عن العدل ومحاولة تحقيق العدل .. ومع ذلك قد يكون العدل في الدنيا غير موجود .. وكما يقول أهل الفكر .. اذا كان الظمأ الى الماء يدل على وجود الماء .. فلا بد أن الظمأ الى العدل يدل على وجود العدل ..فان لم يكن موجوداً في دنيانا فلا بد أن له يوماً وساعة تنصب فيها موازينه .. كل هذه المؤشرات تشير و ترجح أن هناك بعثاً وحساباً وعالماً آخر
والمؤمن , الذي يصدق القرآن في غير حاجة الى هذه الاستدلالات , لانه آمن بقلبه وأراح نفسه من الجدل ..
يبقى بعد ذلك أن نسأل .. وما الروح ؟
يقول تعالى : " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلا " .. هي لغز ولا أحد يعلم عنها شيئاً .. والعجيب أنه كلما جاء ذكر الروح في القرآن ذكرت معها كلمة (من امر ربي )..
يقول تعالى : " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده " , " تنزّل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر " , " وكذلك أوحينا اليك روحاً من أمرنا " ...
دائماً كلمة"من أمرنا" .. "من أمره" ... "من أمر ربي" كلما ذكرت الروح .. أيكون أمر الله روحاً و كلمة الله روحاً .. ألم يقل الله عن المسيح عليه السلام أنه "كلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم " وقوله تعالى "كلمة ألقاها الى مريم وروح منه " ... الكلمة .. الأمر .. الروح .. هل هي ألفاظ مترادفة لمعنى واحد؟
هي مجرد اشارات ولا أحد يعلم الحقيقة الا السميع العليم ..