المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : ثائر من القدس, لمن لا يهمه الامر


rojeh
19-11-2001, 19:32
ثائر من القدس: لمن لا يهمه الأمر

يوم طويلٌ طويل .. قرأت فيه آلاف الجرائد وحاولت جاهداً أن أبقي خيالها منتصبا أمام ناظري .كان يجب ان يبقى ,كان يجب أن يكبر ويكبر حتى يلتهم كل سحب الدخان المحيطة به ,يجب أن يبقى كما كان عبر التاريخ تلك الأسطورة التي لا تفنى .
وعندما نمت في ذلك المساء ـ ولست أدري كيف فعلت ـ رأيت أناسا يلبسون ثياباً بيضاً ولكن وجوههم كانت سوداء كاحلة كالظلم.. كالشر .
كان بادياً على وجوههم الغضب وقد جمعوا أنفسهم لكي يسترجعوا شيئاً ما عندما رأوا جماعة يلبسون ثياباً سوداء مختبئين خلف صليب . كان على هذا الصليب شئ أبيض غريب بدا وكأنه حمامة بيضاء مقصوصة الأجنحة .
ظننت أن الرجال ذوي اللباس الأبيض سوف يهاجمون ذوي اللباس الأسود ولكنهم جلسوا معهم وكانت بينهم قبة ذهبية كبيرة كأنها أسطورة تاريخية وبدأوا يتقاسمونها كما تقسم البطيخة .
بعد قليل امتلأت السماء بالخفافيش وطمست معالم الشمس .. طمست معالم الحقيقة. ثم اختفت القبة الذهبية .
استيقظت من النوم فزعاً مرتجفاً ولكنني لم أمهل نفسي لحظة واحدة . تركت خيمتي وركضت وركضت حتى بدت الشوارع لا نهائية وعندما وصلت الى ضواحي المسجد الأقصى كانت القبة الذهبية ما زالت موجودة وكأنها أسطورة تاريخية . ولكن ذوي اللباس الأسود كانوا ينظرون اليها بطريقة غريبة ومخيفة .
مشيت قليلا فوجدت رجلا يذبح خروفا ورجلا آخر كان يوزع اللحم على الفقراء . كان الزحام شديدا , ولكنني أمعنت النظر في المذبح . نظرت طويلا طويلا وتخيلت واحدا من ذوي اللباس الاسود مكان الذبيحة .
وبدون أية مقدمات خطفت سكين الجزار من يده وهجمت بها على جماعة من المعتدين .
هجمت على المعتدين بكلّ ما أحمل من حقد وحب .. من حزن وفرح . قتلت واحدا منهم ولكن رصاصة اخترقت صدري وشلت حركتي .
نظرت حولي فرأيت رجلا يحمل بندقية ويوجهها نحوي . كان يضع كوفية على رأسه وقد نعتني بكلمة لست أدري من أين تعلمها كانت ( إرهابي ).
كانت كلمته أقوى بكثير من التي صوبها الى صدري .
كنت مستلقيا على الرض بين الكثير من الناس الذين نظروا الى ما خيل اليهم أنه جسمي ولكننني لم أستطع أن أخبرهم أن جسمي قد اكلته الخفافيش . وأن تلك الخفافيش ستأكل كل ماهو عربي ..
ستأكل المسجد الأقصى والمسجد الحرام ..
ستأكل قبر صلاح الدين ..
ستأكل كل أم يمكن أن تلد طفلا يكبر ويخطف سكينا من جزار ..
ستأكل كل وردة وكل حبة قمح ..
كنت أريد أن أقول لهم أن أن فلسطين عربية ولكنهم قتلوني قبل ان أفعل .
كان الجميع ينظرون إليّ من بعيد . ربـما بدا لهم أننـي كنت مرتاحا حيث كنت , وكانت جثة الرجل ذي اللـباس الأسود جاثمة بجانبي عندئذ نظرت الى السماء وفكرت أن عدد الخفافيش قد نقص واحدا فأغمضت عيني وسكنت في سكون ظنه الكثير أبدياً, ولكنني كنت مطمئنا أن هذا السكون لن يطول وستشتعل نار الثورة ..